كن أفضل نسخة من ذاتك الحقيقية – بقلم لينا صياغة

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم/

ثمة خطأ صغير نرتكبه ونحن نكبر:نظن أن النضج يعني أن نصبح كما ينبغي أن نكون في عيون الآخرين.
فنبدأ، دون أن نشعر، بتعديل أنفسنا كما تُعدَّل صورة قبل نشرها؛ نُخفي ما لا يعجب، نُبرز ما يلقى التصفيق، ونتعلم شيئًا فشيئًا كيف نكون مقبولين…حتى نصل ذات يوم إلى المرآة، فنحدّق طويلًا في وجهنا ولا نعرفه.
لهذا، ربما لا تكون مهمتك أن تصنع إنسانًا جديدًا منك، بل أن تنقذ الإنسان الذي كان فيك قبل أن يتكفّل العالم بتهذيبه على طريقته.
ذلك الطفل الذي كان يفرح دون حساب، ويقول ما يشعر به دون أن يزن الجملة في ميزان القبول، ويحب الأشياء لأنها تشبه قلبه، لا لأنها تثير إعجاب أحد.
كبرنا، فتعلمنا أن بعض الضحكات «صاخبة»، وبعض الأحلام «مستحيلة»، وبعض القلوب «حساسة أكثر مما ينبغي»،وأن عليك، كي تعبر هذا العالم بأقل الخسائر،أن تقتطع شيئًا منك في كل مرة.
لكن ماذا لو كانت الخسارة الحقيقيةأن تعبر الحياة كاملة… ولا تصل إلى نفسك؟
أن تنجح في كل ما طلبه منك الآخرون، ثم تكتشف في نهاية الطريق أنك أهملت الشيء الوحيد الذي كان يستحق كل هذا العناء: أن تعرف من أنت حين لا يكون هناك أحد ليراك.
لا تجعل حياتك مسابقة مفتوحة مع البشر.
ليس مطلوبًا منك أن تصل قبلهم، ولا أن تملك أكثر منهم، ولا أن تبدو أكثر تماسكًا في الصور.

فالحياة لا تُوزَّع على خط بداية واحد، ولا تُقاس ساعاتها بساعات الآخرين.
هناك من يزهر مبكرًا، وهناك من يحتاج إلى شتاء طويل كي يفهم أيُّ ربيع يليق به.
فلا تستعجل نفسك.
بعض التأخر ليس عقوبة، بل إعادة تشكيل هادئة.
بعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك لم تكن تريد منك أن تطرقها بقوة أكبر، بل كانت الحياة تقول لك:ليس هنا.
وبعض الأشخاص الذين فقدتهم لم يكونوا نهاية الحكاية، بل كانوا الصفحة التي اضطررت إلى تمزيقها كي تستطيع أن تقرأ نفسك بوضوح.
لا تخف من أن تتغير.
التغيير الحقيقي ليس أن تستبدل شخصيتك كلما ضاقت بك الحياة، بل أن تتخلص من الطبقات التي لم تكن لك أصلًا.
أن تسقط عن كتفيك الحاجة إلى تفسير كل قرار. أن تتوقف عن الاعتذار لأنك اخترت السلام.أن تعرف أن قول «لا» لا يجعلك سيئًا، وأن الرحيل لا يعني دائمًا أنك لم تحب، وأن المسافة أحيانًا ليست قسوة، بل الطريقة الوحيدة التي تحافظ بها على ما تبقى منك.
ثم تعلّم أن تحمل أخطاءك دون أن تحملها فوق ظهرك إلى الأبد.
أنت لست أسوأ ما فعلت، ولا أجمل ما قيل عنك.
أنت ذلك الكائن المتغير بين الاثنين؛ تخطئ، ثم تفهم.تسقط، ثم تعيد ترتيب عظام روحك.تخسر، ثم تكتشف أن بعض الخسارات كانت تُفرغ يديك كي تستطيع الحياة أن تضع فيهما شيئًا آخر.
سامح النسخة القديمة منك.
لم تكن تعرف ما تعرفه الآن. اتخذت قراراتها بالوعي الذي كان متاحًا لها آنذاك، وحاولت النجاة بالأدوات التي امتلكتها.
لا تعاقب نفسك لأنك كنت ساذجًا في وقتٍ ما، ولا لأنك وثقت بمن لم يستحق، ولا لأنك بقيت طويلًا في مكان كان ينبغي أن تغادره باكرًا.
لقد كنت تتعلم.
وهذه وحدها حجة كافية لأن تكون رحيمًا بنفسك.
لكن الرحمة لا تعني أن تبقى كما أنت.
هناك فرق بين أن تتقبل نفسك، وأن تستخدم تقبّل الذات ذريعة لعدم التطور.
أحبب نفسك بما يكفي كي لا تهدمها، وأحببها بما يكفي أيضًا كي لا تتركها أسيرة عاداتها القديمة.
اقرأ أكثر. 

اصمت حين يكون الصمت أصدق. 

تعلّم أن تصغي إلى حدسك.

اهتم بعقلك كما تهتم بمظهرك.

راقب الكلمات التي تكررها على نفسك، فقد يتحول الصوت الداخلي، مع الوقت، إلى بيت…فاحذر أن تبني لنفسك بيتًا من القسوة.
ولا تبحث عن نسخة مثالية منك؛ فالكمال فكرة باردة لا تسكنها الأرواح.
ابحث عن نسخة صادقة.
نسخة تستطيع أن تقول: هذا ما أريده. 

هذا ما لا أريده.هذا خطئي. 

وهذه حدودي.

وهذا قلبي، ولن أضعه بعد اليوم في كل يد تمتد إليه.
وحين تصل إلى تلك المنطقة الهادئة في داخلك، لن تعود بحاجة إلى أن تشرح نفسك كثيرًا.
ستصبح أقل انشغالًا بمن سبقك، وأقل خوفًا ممن لم يفهمك، وأكثر انتباهًا للشيء الذي كان ضائعًا منك طوال الوقت:
أنت.
فكن أفضل نسخة من ذاتك الحقيقية.
ليس النسخة التي تثير الغيرة، ولا التي تجمع المديح، ولا التي تبدو منتصرة أمام الجميع.
كن النسخة التي، حين تُغلق باب غرفتها في آخر النهار، وتنطفئ الضوضاء كلها،وتبقى وحدها أمام نفسها…
لا تحتاج إلى الهرب منها.
تلك هي لحظة النجاح التي لا يصفق لها أحد.
أن تنام وقلبك لا يعاتبك لأنك خذلته.
أن تمضي في حياتك دون أن تضطر إلى ارتداء شخصية لا تشبهك.
أن تصبح، ببساطة، الشخص الذي كنت تحتاج إليه ذات يوم.
فربما لا تكون أعظم رحلة في الحياة هي أن نعثر على مكاننا في العالم، بل أن نعود، بعد كل ما حدث، إلى المكان الوحيد الذي لم يكن ينبغي أن نغادره يومًا: إلى أنفسنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!