لبنان يطلب أحياءه وأمواته… وإسرائيل تنبش مفقودي الثمانينيات

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/

لم تُنشئ مفاوضات روما ملف الأسرى والمفقودين بين لبنان وإسرائيل، بل أعادت فتح ملف كان قد بدأ فعلياً منذ الأشهر الأولى لعهد الرئيس جوزف عون، قبل أن يتوقف مع تعثّر المسار السياسي وعودة التصعيد الميداني.

بحسب معلومات “أساس”، فإنّ أحد البنود التي نوقشت في روما تعلّق بالأسرى اللبنانيين الموجودين في إسرائيل، ورفات اللبنانيين التي تحتفظ بها، مقابل طلب إسرائيلي بالحصول على معلومات تتعلق بمفقودين تعتبر تل أبيب أن للبنان أو جهات لبنانية معلومات عن مصيرهم.

هنا تحديداً تكمن حساسية الملف: لبنان يطالب بأسرى أحياء ورفات مقاتلين ومدنيين، فيما تعيد إسرائيل فتح ملفات تعود في بعضها إلى أكثر من أربعين عاماً، بينها ملف اليهود اللبنانيين الذين اختفوا خلال الحرب الأهلية.

إلا ان فتح هذا الباب ليس جديداً. في آذار 2025، حين كانت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس تتولى الاتصالات بين لبنان وإسرائيل، وكان الوزير الإسرائيلي رون ديرمر طرفاً أساسياً في هذا المسار، فيما كان مستشار رئيس الجمهورية السابق طوني حداد يتابع الملف من الجانب اللبناني، بدأت تظهر أولى نتائج المفاوضات.

يومها، أطلقت إسرائيل سراح خمسة أسرى لبنانيين، في خطوة قُدمت كبادرة حسن نية تفتح الباب أمام معالجة بقية الملفات العالقة. بحسب المعلومات، لم يكن الأسرى الخمسة الذين أُطلق سراحهم مرتبطين بـ”الحزب”، وكان الرهان أن تتحول المبادرة إلى بداية مسار متدرج يشمل بقية الأسرى، ثم الحدود والانسحاب الإسرائيلي وقضايا أخرى. إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل.

تأزم الوضع السياسي، عاد التصعيد الميداني، وتوقفت مجموعات العمل التي كان يفترض أن تتولى الملفات الثلاثة الأساسية: الأسرى، الحدود البرية، والانسحاب الإسرائيلي. ومنذ ذلك الوقت بقي الملف مجمداً إلى أن عاد إلى طاولة روما.

34 أسيراً… وأكثر من 120 رفاتاً

مصادر دبلوماسية قالت لـ”أساس”، يوجد في إسرائيل اليوم حوالي 35 أسيراً لبنانياً ممن اعتقلوا خلال حرب 2024 وما تلاها، فيما أُطلق سراح خمسة فقط في المرحلة الأولى من التفاوض. لا يقتصر الملف على الأحياء. فالمعطيات نفسها تشير إلى أن إسرائيل تحتفظ بأكثر من 120 رفاتاً للبنانيين، بعضها يعود إلى مراحل سابقة، فيما يرتبط جزء آخر بالحرب الأخيرة.

تضيف المعلومات أنّ عدداً من المقاتلين سقطوا في الحقول والقرى خلال العمليات العسكرية، ولم يتمكن الجانب اللبناني من استعادة جثامينهم أو رفاتهم، فيما احتفظت إسرائيل بما تمكنت من الوصول إليه في المناطق التي سيطرت عليها أو دخلتها خلال الحرب. وبالتالي لا قدرة لتحديد العدد الدقيق للرفات.

هذا الملف يريد لبنان فتحه اليوم بصورة عملية: معرفة عدد الأسرى، ظروف احتجازهم، استعادة من يمكن إطلاق سراحه، والحصول على الرفات الموجودة لدى إسرائيل.

أما تل أبيب فدخلت إلى النقاش بلائحة مقابلة. لم تكن اللائحة الإسرائيلية، وفق المعلومات، ثابتة طوال مسار التفاوض. ففي بداية الاتصالات، طُرحت أسماء لمحتجزين في ساحات إقليمية مختلفة، بينهم إليزابيث تسوركوف وليفي مرهبي ومئير شلومو إلياهو شعيا. ومع إطلاق سراح هؤلاء لاحقاً، سقطت أسماؤهم عملياً من التداول من دون أن يُترجم ذلك إلى إطلاق أسرى لبنانيين إضافيين. فبقيت ملفات أخرى مفتوحة. أبرزها ملف اليهود اللبنانيين الذين اختفوا في بيروت في ثمانينيات القرن الماضي.

من هم اليهود اللبنانيون الذين عاد ملفهم إلى الواجهة؟

بحسب مراجع تاريخية وتقارير صحافية تعود إلى تلك المرحلة، اختفى أحد عشر يهودياً لبنانياً بين عامي 1984 و1987 على مراحل مختلفة. بعضهم خُطف من منزله في بيروت الغربية، وبعضهم قرب كنيس وادي أبو جميل. وتشير المصادر نفسها إلى أن أربعة من أصل الأحد عشر عُثر على جثامينهم لاحقاً، فيما بقي سبعة في عداد المفقودين. من أبرز هؤلاء إسحاق ساسون، الذي كان رئيس المجلس الأعلى للطائفة اليهودية في لبنان، كما شغل منصب مدير قسم الأدوية في شركة خليل فتّال وأولاده.

بحسب تقارير Jewish Telegraphic Agency، كان ساسون يستعد للسفر في رحلة عمل عندما اقتاده ثلاثة مسلحين كانوا على علم مسبق بتحركاته ووصوله إلى مطار بيروت. وتقول الرواية المنشورة آنذاك إن أصدقاءه حاولوا تحذيره من العودة إلى منزله في بيروت الغربية ونصحوه بالتوجه مباشرة إلى المناطق الشرقية الأكثر أمناً نسبياً.

من الأسماء أيضاً إيلي حلاق، الطبيب الذي كان يشغل منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للطائفة اليهودية. وتقول التقارير إنه اختُطف من منزله في غرب بيروت على يد مسلحين يرتدون زياً رسمياً. وبعد انتشار خبر اختطافه، صدرت إدانات لبنانية من مسؤولين مسيحيين ومسلمين. وتضيف تقارير تلك المرحلة أن أحد الأميركيين الذين كانوا محتجزين في لبنان قال إنه شاهد حلاق يعالج مرضى خلال فترة احتجازه.

أما إيلي سرور، فكان يتولى في المجتمع اليهودي تجهيز الموتى للدفن، وترجح الروايات المنشورة أنه خُطف بالقرب من الكنيس في وادي أبو جميل، في الفترة نفسها التي اختُطف فيها حلاق، الذي كان زوج ابنته. وترد كذلك أسماء سليم جموس، الأمين العام للمجلس الأعلى للطائفة اليهودية في لبنان، إضافة إلى يهودا بنيستي ويوسف بنيستي وهنري مان.

في المقابل، عُثر على جثامين أربعة آخرين. بينهم راؤول صبحي مزراحي الذي عُثر على جثمانه بعد خطفه عام 1984، وحاييم كوهين الذي كان يعمل محاسباً ويعيش مع أسرته في وادي أبو جميل، وإسحاق طراب الذي خُطف وقُتل أواخر عام 1985، وإبراهيم بنيستي الذي عُثر على جثمانه في بيروت في شباط 1986. وبحسب روايات صحافية منشورة آنذاك نقلاً عن شرطة بيروت والطب الشرعي، كانت جثة بنيستي تحمل آثار ضرب وتعذيب، إضافة إلى إصابات بطلقات نارية.

أما الجهة التي نسبت إليها هذه العمليات، فكانت مجموعة أطلقت على نفسها اسم “منظمة المستضعفين في الأرض”، فيما ربطتها تقارير يهودية وغربية بجهات مقربة من “حزب الله”. وهذه تبقى رواية منسوبة إلى تلك المصادر ولا يمكن التعامل معها كحقيقة مثبتة من الدولة اللبنانية.

الدولة لا تملك أجوبة

هنا تبدأ المشكلة اللبنانية الفعلية. فإذا صحّت الادعاءات الإسرائيلية بأن هؤلاء خُطفوا على أيدي مجموعات مرتبطة بـ”الحزب” أو جهات كانت تدور في فلكه، فإن الدولة اللبنانية نفسها قد لا تكون قادرة على تقديم الأجوبة التي تطلبها إسرائيل. الجهة الوحيدة التي يمكن أن تمتلك معلومات عن مصير بعض هؤلاء هي الجهات التي كانت فاعلة في تلك المرحلة.

مفاوضات روما أعادت إذاً فتح باب لم يُغلق منذ بداية عهد عون. لكن الإشكالية لم تعد فقط: كم أسيراً لبنانياً ستعيد إسرائيل؟ بل صار أيضاً: ما الذي تستطيع بيروت أن تقدمه في المقابل عندما تكون بعض الإجابات المطلوبة موجودة، إذا كانت موجودة أصلاً، خارج مؤسسات الدولة؟

هنا قد يظهر التحدي اللبناني الجديد في هذا المسار: كيف تفاوض الدولة على أسرى ورفات موجودين فعلياً لدى إسرائيل، في مقابل ملفات قديمة لا تملكها هي نفسها!

جوزفين ديب – اساس ميديا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!