سكان العام 2045: اللبنانيون أقل من 50 %

صدى وادي التيم – لبنانيات/
في لبنان، تتجاوز تكلفة الحرب على المجتمع الخسائر المادية التي تسبّبها الغارات والقصف المعادي، فالحرب الإسرائيلية المستمرة منذ نحو 3 سنوات تعيد تشكيل المجتمع من الداخل، عبر ضرب التوازن الديمغرافي فيه، وتفكيك بنيته الاجتماعية، وفرض تحوّلات قسرية على خيارات الأفراد والجماعات، ما يؤدّي إلى ترك آثار عميقة على التركيبة السكانية في المدييْن القريب والبعيد.
وحتى اليوم، لم تصل الحرب إلى مشهدها الأخير، لذا التكلفة البشرية مُرشّحة للزيادة، إذ إن عدّاد الشهداء والجرحى والمفقودين لم يتوقف عن الارتفاع. فمع كلّ عملية تفتيش في القرى الأمامية جنوباً تعثر فرق الإسعاف على ضحايا جُدد تحت الأنقاض، فضلاً عن عدم توقف العدوان الإسرائيلي، ما يزيد من أعداد الضحايا. وهنا، تشير التقديرات إلى أن عدد الشهداء المُعلَن منذ بداية العدوان عام 2023 وحتى 2026 تجاوز 12 ألف شهيد، من دون احتساب من قد يُعثر عليهم لاحقاً.
بحسب الباحث في الديموغرافيا شوقي عطية، فإن المقاربة السكانية لهذه الخسائر تحتاج إلى قراءة دقيقة بعيداً عن الانطباعات السريعة. «على الرغم من ضخامة عدد الشهداء، لا يمكن مقاربة المسألة ببساطة بالحديث عن نقص في عدد الرجال»، يقول عطية، ومن بعدها بناء توجه يقود إلى الاستنتاج بوجود أزمة زواج، أو ارتفاع كبير في عدد الأرامل. ويوضح عطية أن البيئة الأكثر تضرراً هي بيئة اجتماعية محدّدة، أي الطائفة الشيعية، والتي تشير الترجيحات إلى أنّ عدد أفرادها يصل إلى نحو مليون و300 ألف نسمة.
تتركّز الفئة العمرية لغالبية الـ12 ألف شهيد ضمن الفئة الشابة، ولا سيما بين الذكور. لكنّ التأثير الديمغرافي المباشر لا يُختزل بعدد الشهداء فقط. فلبنان يسجّل سنوياً في المعدّل نحو 27 ألف حالة وفاة طبيعية. وعندما يُضاف إلى هذا الرقم ما يقارب 4 آلاف شهيد سنوياً كمعدّل وسطي بين عامي 2024 و2026، يصبح البلد أمام ارتفاع إضافي نسبته 20% في معدّل الوفيات السنوي. هذه النسبة، وإن بدت محدودة على مستوى إجمالي السكان، إلا أنها مرتفعة جداً عند احتسابها داخل بيئة اجتماعية محدّدة، أو ضمن فئات عمرية بعينها، خصوصاً فئة الشباب الذكور في سنّ الزواج والعمل والإنجاب.
تتركّز الفئة العمرية لغالبية الـ12 ألف شهيد ضمن الفئات العمرية الشابة، ولا سيما بين الذكور
تأثيرات الحرب ظهرت واضحة في أرقام مديرية الأحوال الشخصية في وزارة الداخلية، إذ تراجع عدد الزيجات المُسجّلة من 8541 عقد زواج عام 2023 إلى 6894 عقداً عام 2024. أمّا في عام 2025، فتعافت الأرقام نسبياً، وارتفع عدد الزيجات إلى 7823 زواجاً مُسجّلاً، في ما يشبه حركة تعويض اجتماعية محدودة بعد مرحلة من التأجيل القسري.
من جهته يعلّق المتخصّص في الشؤون الاجتماعية والسياسية طلال عتريسي على أرقام الزواج، ويقول إنّ «هذا المسار طبيعي في المجتمعات التي تمر بالحروب، إذ إن الزواج يرتبط أساساً بعوامل الاستقرار والطمأنينة وبناء المستقبل، بينما الحرب تعني العكس تماماً». لذلك يؤكّد عتريسي تراجع معدّلات الزواج في الحروب بصورة تلقائية، خصوصاً مع النزوح والدمار وارتفاع أعداد الشهداء. إلا أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة تحوّلاً دائماً، إذ «تميل المجتمعات إلى استعادة أنماطها التقليدية بعد انتهاء الحرب وعودة الحدّ الأدنى من الاستقرار». غير أن التحدّي لا يتوقف عند الزواج، بل يمتد إلى مسألة الإنجاب والتوازن السكاني.
في هذا السياق، تُظهِر بيانات الولادات والوفيات في لبنان استمرار النمو الطبيعي للسكان، وإن بوتيرة متراجعة. بحسب أرقام مديرية الأحوال الشخصية في وزارة الداخلية، ارتفع عدد السكان إلى نحو 38 ألف شخص عام 2024، بعد أن كانت الزيادة 40 ألف شخص عام 2023. أمّا في عام 2025 فاستمرّ النمو السكاني، إنّما بشكل أقل، إذ بلغ الفارق بين الولادات والوفيات 37 ألف شخص.
وتشير هذه الأرقام إلى أنّ الولادات لا تزال أعلى من الوفيات بفارق مريح نسبياً، لكنّ المشكلة الأساسية تكمن في عامل آخر أكثر تأثيراً، وهو الهجرة.
بحسب التقديرات، يصل متوسط خسارة لبنان سنوياً إلى نحو 75 ألف شخص بسبب الهجرة أو الاستعداد الجدّي لها، وغالبيتهم من فئة الشباب. وهذا يعني أن النزيف السكاني الحقيقي لا يحصل فقط بسبب الحرب أو الوفيات الطبيعية، بل أيضاً بسبب خروج الفئة الأكثر إنتاجاً وإنجاباً من البلاد.



