راشد شاتيلا : لبنان في زمن العواصف… حين تصبح الوحدة العربية ضمانة الكرامة وطريق السلام

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم /

في تاريخ الأوطان لحظاتٌ تختبر فيها الشعوب قدرتها على الصمود، وتتحول فيها الأحداث من وقائع عابرة إلى محطاتٍ تترك أثرها في الوعي الجماعي للأمة. ولبنان اليوم يعيش واحدةً من تلك اللحظات الحساسة؛ لحظةٍ تختلط فيها مشاعر القلق بالأمل، ويجد فيها اللبنانيون أنفسهم مجددًا أمام تحدي حماية وطنهم والحفاظ على استقراره في ظلّ التوترات والاعتداءات التي تطال مناطق لبنانية مختلفة، ولا سيما في بيروت و الجنوب.

لقد كان لبنان، منذ نشأته الحديثة، مساحةً فريدة في العالم العربي؛ مساحةً تلتقي فيها الثقافات وتتنوع فيها الانتماءات، ويجتمع فيها الفكر الحر مع روح المبادرة والإبداع. ولهذا لم يكن هذا البلد مجرد جغرافيا صغيرة على شاطئ المتوسط، بل كان دائمًا فكرةً حيّة عن التعددية والحوار والانفتاح.

غير أنّ الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي اللبنانية، سواء في بيروت و الجنوب أو في مناطق أخرى، تذكّر الجميع بأنّ الاستقرار في منطقتنا ما زال هشًا، وأنّ أمن الشعوب لا يمكن أن يبقى رهينة منطق القوة. فاستهداف القرى الآمنة، وتعريض حياة المدنيين للخطر، وتوسيع دائرة التوتر، كلها أمور تتناقض مع المبادئ التي قام عليها القانون الدولي، والذي يفترض أن يكون الإطار الذي يضمن احترام سيادة الدول ويحمي الشعوب من دوامة الحروب.

إنّ لبنان، في هذه الظروف، لا يطلب أكثر من حقه الطبيعي في الأمن والسيادة والاستقرار. وهذه ليست قضية لبنانية فحسب، بل مسألة ترتبط باستقرار المنطقة بأكملها. فحين يتعرض بلدٌ عربي لضغوطٍ أو اعتداءات، فإنّ ذلك يضع العالم العربي أمام مسؤولية مشتركة: مسؤولية الدفاع عن مبادئ العدالة واحترام الحدود والسيادة.

ومن هنا تبرز أهمية الوحدة العربية، ليس كشعارٍ يُقال في المناسبات، بل كحاجةٍ واقعية تفرضها تحديات العصر. فالتاريخ يعلمنا أن لحظات الانقسام كانت دائمًا مدخلًا لإضعاف المنطقة، بينما كانت لحظات التضامن هي التي أعادت التوازن وفتحت أبواب الأمل. والوحدة العربية في معناها العميق لا تعني إلغاء خصوصيات الدول أو فرض سياسات موحدة، بل تعني تنسيق المواقف، وتكامل الجهود، والوقوف إلى جانب القضايا العادلة بروح المسؤولية المشتركة.

إنّ دعم لبنان اليوم يمكن أن يتجسد في مسارات متعددة: في تعزيز العمل الدبلوماسي العربي لحماية الاستقرار، وفي دعم صمود المجتمع اللبناني اقتصاديًا وإنسانيًا، وفي التأكيد على ضرورة احترام القوانين الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول. فالقانون الدولي لم يُوجد ليكون نصوصًا جامدة، بل ليكون الضمانة التي تمنع تحوّل النزاعات إلى صراعات مفتوحة.

لكن قوة لبنان في مواجهة التحديات لا تأتي فقط من الخارج، بل تبدأ من داخله. فالوحدة الوطنية هي الأساس الذي يُبنى عليه أي موقفٍ قوي. وكلما استطاع اللبنانيون أن يضعوا مصلحة وطنهم فوق الانقسامات الضيقة، ازدادت قدرتهم على حماية بلدهم والحفاظ على استقراره.

وفي هذا السياق، تحلّ ذكرى اغتيال كمال جنبلاط بما تحمله من دلالاتٍ عميقة في تاريخ لبنان الحديث. لقد كان كمال جنبلاط شخصيةً فكرية وسياسية استثنائية، جمع بين الثقافة الواسعة والرؤية الإنسانية العميقة. لم يكن مجرد زعيمٍ سياسي، بل كان صاحب مشروعٍ فكري دعا فيه إلى بناء دولةٍ عادلة تقوم على المواطنة والعدالة الاجتماعية، وإلى تجاوز الانقسامات الطائفية التي أنهكت لبنان لعقود.

لقد آمن جنبلاط بأنّ التعددية في لبنان يمكن أن تكون مصدر غنى لا سبب صراع، وأنّ قوة الوطن تكمن في قدرته على احتضان جميع أبنائه ضمن دولةٍ تحكمها القوانين لا العصبيات. ولهذا بقيت أفكاره حاضرة في الوجدان اللبناني، لأنها كانت تعبيرًا عن حلمٍ كبير بوطنٍ أكثر عدلًا وإنصافًا.

إنّ استذكار هذه الشخصية العظيمة في مثل هذه الظروف ليس مجرد استحضارٍ لذكرى تاريخية، بل هو تذكيرٌ بقيمة الحوار والوحدة الوطنية في حماية لبنان. فالأوطان لا تبقى قوية إلا عندما يجتمع أبناؤها حول فكرة الدولة العادلة، وحول إيمانٍ مشترك بأنّ مستقبلهم واحد مهما اختلفت آراؤهم.

أما السلام الحقيقي في منطقتنا، فلا يمكن أن يتحقق إلا عبر احترام القانون الدولي وحقوق الشعوب. فالتاريخ أثبت أن الاستقرار الذي يُفرض بالقوة يبقى هشًا، بينما الاستقرار الذي يقوم على العدالة والاحترام المتبادل يكون أكثر دوامًا.

لبنان اليوم، رغم الجراح، ما زال يحمل في داخله روح الحياة. مدنه التي عرفت الحروب ما زالت تنبض بالحركة، وقراه التي عانت الأزمات ما زالت متمسكة بالأرض والأمل. وهذا الإصرار على الحياة هو في حد ذاته رسالة إلى العالم بأن الشعوب التي تؤمن بوطنها لا يمكن أن تنكسر.

ومن هنا، فإنّ الوقوف إلى جانب لبنان، عربيًا وإنسانيًا، ليس مجرد موقف سياسي، بل هو تعبير عن إيمانٍ بقيمة الاستقرار والكرامة. فحين تتلاقى الإرادات الصادقة، يمكن تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، ويمكن أن تصبح الوحدة العربية جسرًا نحو مستقبلٍ أكثر أمنًا وعدلًا وسلامًا.

راشد شاتيلا محلل سياسي لبناني خبير في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!