هل يُعاد تلزيم لبنان الى سوريا؟

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
لم يعد لبنان ينتظر نتائج الحرب، بل بات يقرأ في “كتاب التكوين” الجديد للمنطقة. فما جرى في دمشق من سقوط للنظام، ووصول أحمد الشرع إلى سدة الحكم، لم يكن مجرد حدث حدودي، بل هو “صدمة وجودية” نسفت ركائز “لبنان القديم” وأنهت فصلاً طويلاً من الهيمنة الأحادية، لتبدأ معها رحلة البحث عن “عقد اجتماعي” جديد تحت مسميات “اللامركزية” أو “الفيدرالية المقنعة”.
بين ليلة وضحاها، استرد الشارع السني في لبنان هويته المفقودة. فبعد سنوات من “اليتم السياسي” الذي أعقب اغتيال رفيق الحريري وتحول “الحريرية” إلى مجرد ذكرى سنوية، أعادت “رياح الشمال” السورية ضخ الأوكسجين في عروق هذا المكون. إن انكسار مشروع “الهلال الشيعي” عند أبواب “عاصمة الامويين”، لم يؤدِ فقط إلى تقويض “سنة المحور”، بل أطلق صافرة البداية لعودة السنية اللبنانية كشريك مضارب في القرار الوطني، مستندة إلى تقاطع مصالح (سعودي، تركي، مصري) يسعى لرسم توازن جديد ينهي عصر “فائض القوة” الذي فرضه حزب الله لسنوات.
وسط هذا الغليان الجغرافي، يبرز تكامل الأدوار بين الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط كـ “قمرة قيادة” تحاول الالتفاف على العاصفة. بري، القارئ النهم للتحولات الدولية، استشعر باكراً أن الاستثمار في “الحليف الإيراني” وصل إلى مرحلة الخسائر المحققة، ويريد قطف ثمار المتغيرات التي وان تبدلت فلا يمكنها التهام طائفة بأمها وأبيها. أما النائب السباق وليد جنبلاط، الذي لا يخطئ “راداره” في التقاط الترددات الإقليمية، فقد باشر عملية “تموضع ناعم” تجاه دمشق الجديدة. تكامل “بري-جنبلاط” اليوم يهدف إلى خلق كتلة وسطية تحمي ما تبقى من “الدولة العميقة” أمام طموحات الآخرين، وهو ما يفسر زيارات “الحاج” والانفتاح على سوريا والتي ستستقبل في الاسابيع والاشهر المقبلة “صقور” الاحزاب المسيحية المعارضة لسلاح الحزب ورأس حربة محاربته.
المفارقة الكبرى تكمن في التقاطع الأميركي الإسرائيلي لزج النظام السوري الجديد بطريقة أو بأخرى في الملف اللبناني، ليس ليعيد تجربة “الوصاية” السابقة بجروحها التي لا تندمل، بل ليكون “ضابط إيقاع” يحجم نفوذ القوى السياسية الأقوى على الساحة الداخلية اليوم. هذا السيناريو يمهد لما يمكن تسميته بـ “متصرفية بلاس”: لبنان واحد في الشكل، لكنه مقسم إلى “تلزيمات” بالجملة للمصالح الإقليمية والدولية. حصة للسعودية ومصر في بيروت والوسط، نفوذ تركي-سوري في الشمال، واهتمام دولي مباشر بالجنوب والحدود.
إن لبنان “الميثاقي” الذي عرفناه قد لفظ أنفاسه الأخيرة تحت ركام الضاحية ومع سقوط قلاع دمشق القديمة. نحن أمام واقع جغرافي جديد تحكمه تحالفات النظام السوري الجديد مع خصوم “الثنائي الشيعي”. وبين سنية تستعيد بريقها التاريخي، ومسيحية تطلب “الطلاق الجغرافي”، وشيعية تحاول الاحتماء بالدستور لإنقاذ مكتسباتها، يبدو أن “التقسيم” بات هو الأمر الواقع الوحيد الذي يختبئ خلف ستار الكلمات المنمقة. لبنان القادم هو “متصرفية” دولية كبرى، حيث السيادة فيها لمن يملك القدرة على الربط بين مصالح الخارج وشهوات الداخل.



