اللّغة تقاوم قدسيّة النّقل بحيويّة العقل “من خندق العجز نحو الحقّ في الصّراع”- مقاربة نهضويّة تطويريّة بقلم بهجت سعيد

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم /
يلتصق مفهوم التّطوّر بمدى قدرة العناصر المادّيّة والرّوحيّة والنّفسيّة المُشكّلة لروح، تراث، ماضي، حاضر ومستقبل أيّ شعب وأمّة، في التّكيُّف مع التّغيير، في شتّى ميادين الحياة، ولأنّ الحياة حقّ في الصّراع، ينبثق مفهوم محاكاة روح العصر من عجز تلك العناصر أو قدرتها على محاكاة روح العصر، ومواكبة مصلحة الارتقاء، التّقدّم والتّطوّر.
ولعلّ أبرز عائق أمام لحاقنا بعجلة التّطوّر النّوعي الحاصل هو تمسّكنا بتقاليد باتت تُثقل كاهل شبابنا، وتضع المندفعين منهم نحو الانخراط في طفرة العصر العلميّة والتّكنولوجيّة في خندق العجز، بالإضافة إلى موانع أشبه بالمحرّمات، لا يمكن المَساس بها.
مَن يقوى خرق ذاك الطّوق الفولاذيّ المفروض عُنوة على لغتنا؟ بل مَن يستطيع أن ينزع قدسيّة النّقل واستبداله بحيويّة العقل؟
المشكلة الحقيقية تكمن في جوهر الخضوع للتقديس الأعمى لكلّ ما هو متوارث، لكلّ ما هو بلبوس القدسيّة آتٍ، فمنذ أكثر من قرن وضع الشّاعر الكبير حافظ إبراهيم يده على الجرح قائلًا في قصيدة اللّغة العربيّة تتحدّث عن نفسها:
أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزّاً وَمَنعَةً وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ
أَتَوا أَهلَهُم بِالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً فَيا لَيتَكُم تَأتونَ بِالكَلِماتِ
إنّ اللّغة هي أهمّ أدوات الشّعوب في التّعبير عن حاجاتها المادّيّة، الرّوحيّة والنّفسيّة، كما هي حركة الشّعب العاملة دومًا لخيره، ومِرآة سعيه للارتقاء، ولم تكُ يومًا أداة لتكبيل جًماح المنهمرين علمًا وفنونًا.
يقف اللّغويّون في أمصار وأمم العالم العربي أمام تحدٍّ وجوديٍّ يُهدد أدبهم وفنونهم، ويضرب بُنية تشكيلاتهم الاجتماعيّة في مقتل الرّكود، ويُعجز إفرازاتهم العلميّة والعصريّة عن الاستدامة، ويفرض حصارًا لن ينفكّ حتّى يقضي على كلّ مقومات الارتقاء والتّطوّر. ما لم يضعوا هدفًا واضحًا صارخًا لا لبس فيه، وهو تطوير لغتهم لمواكبة حداثة العصر، وتنسيق مصطلحاتٍ جديدة لكلّ ما هو جديد ومستحدث، ويزيح عن كاهل الشّباب ذاك الثّابت الجاثم على بوّابات عقولهم، ما يحرّرهم من قيود بات العصر بغنى عن وجودها.
إنّ مهمّة اللّغويّون هذه تبدأ من حيث أُقفل على اللّغة في قفص، يبدأ من فكّ حصر ارتباط اللّغة بالقرآن الكريم، وفهم مسارات تطوّر اللّغة في بلادنا ومشارب نشوئها حتّى بلغت الرِّفعَة الّتي حازتها مع الإسلام، فاللّغة العربيّة هي البنت الأبهى للغات القديمة: الأكادّية، الأوغاريتيّة، الأموريّة، الحوريّة والحثّيّة… فكما الحياة نشأت بالتّطوّر، كذلك اللّغة لا يجب أن تقف عند أيّ حدث في تاريخ الأمم، حتّى ولو كان بعظمة وقيمة نزول القرآن باللّغة العربيّة: سورة فصلت – الآية 3: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
إنّ العودة على بَدء يُمثّل رجوع السّهم قبل الانطلاق نحو الهدف، والّذي يجب أن يكون رسم خارطة واضحة، علميّة ومنهجيّة لإعادة اللّغة العربيّة إلى مسار التّطوّر الّذي سلكته منذ بذرتها الأولى في “أكاد” وإلى حين نزول الوحي على الرّسول محمّد (ص)، وإشراكها في الاجتماع البشريّ في كلّ متّحدات الأمم العربيّة الاجتماعيّة، ودفع عجلتها لتتماهى مع الطّفرة الحاصلة في كلّ العلوم.
عندها فقط تبدأ رحلة عروج بلادنا نحو المثل العليا، ونلحق بركب العلوم تأثيرًا وليس تأثّرًا، ونخرج من كوننا كتلًا من الجماد نحو التّراكم والتفاعل المُنتِج علمًا وغلالًا، بحيث لا نبقى مستهلكين مُتلقّين لا غير.
وحينئذ، ينتقل الشّعر في قصائد شعرائنا من كونه لوحةً جميلة مُنسّقة بإتقان، إلى استشراف للمستقبل، وتشلح صحافتنا الثّوب الأصفر الباهت، ويعود مسرحنا رائدَا يُخرِّج أبطالًا تُناصر قضايانا المركزيّة، وتقوى مختبراتنا على إنتاج بديل عن الطّاقة غير المتجدّدة المنهوبة من أرضنا، ويهجّن مزارعونا بذور غذائنا من ثمرهم، ويستطيع مريضنا البسيط أن يفهم لغة طبيبه المتخرّج من جامعاتنا، وتمتنع أدمغتنا عن الهجرة خلف البحار نحو كُتل الثّلج المتراكمة في أوروبّة، ولا تخرج أكثر من نصف أموالنا إلى الحسابات المصرفيّة للدول الأخرى فقط لتأمين حاجاتنا الاساسيّة من الطّعام.
نحن أمام مسؤولية تاريخية وجسيمة، فاللّغة الّتي وضع بها الأسس العلميّة والمنهجيّة لعلم الكيمياء الحديثة أبو الكيمياء جابر بن حيّان، ورسّخ عبرها فيلسوف الشّعراء أبو العلاء المعرّي أولى أسس نظريّة التّطوّر، وأسس من خلالها الخوارزمي علم الجبر، وشرح باستخدامها الشّيخ الرّئيس ابن سينا خلاصة فلسفة الإغريق بالإضافة إلى العديد من مؤلفاته في الطّبّ والفلسفة، الرّياضيّات والفلك، الموسيقى والمنطق، لا يمكن لها أن تبقى حبيسة قرون من الرّكود، وأن تعجز اليوم عن مواكبة العصر، اصطلاحًا وتعبيرًا.
بقلم أ. بهجت سعيد



