4 آب 2020: الانفجار الذي فضح الدويلة والمحميات الطائفية.. بقلم زياد الخليل

 

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم /

في الرابع من آب ٢٠٢٠، لم ينفجر فقط مرفأ #بيروت.
انفجر ما تبقى من وهم الدولة.
سقطت العاصمة ومعها 220 ضحية وآلاف الجرحى وسقط معها القناع عن نظام سياسي طائفي بُني منذ الاستقلال على قاعدة هشّة: سلطة محاصصة لا تؤمن بوطن، بل بمجموعة أقليات خائفة، لا يجمعها إلا تقاسم الغنائم فوق أنقاض الجمهورية.

منذ “الميثاق الوطني” عام ١٩٤٣، لم يُمنح #لبنان فرصة أن يكون دولة مواطنة.بل رُسّخ فيه نظام لا يعرف إلا التوازنات الطائفية، والتسويات الهشة، والولاءات العابرة للحدود.
نظام يوزّع المناصب وفق الطائفة، لا الكفاءة.
يكافئ التبعية، ويغضّ النظر عن الفساد باسم “التمثيل”.

وفي لحظة الانفجار، انكشف كل شيء:
مؤسسات الدولة فارغة، #القضاء مُكبّل، والأجهزة خاضعة لزعامات طائفية تخشى الحقيقة لأنها قد تلامسها.
جُمّد التحقيق، وطمُست الأدلة، وعُزل القضاة، لأن العدالة تُهدد بنيان النظام.

لكن هذا النظام لم يكتفِ بتفكيك الداخل.
بل ذهب، وبحماسة لا تشبه إلا تهوره، ليراهن على قضايا تفوق حجمه.
تفرّد لبنان، لقاء حفنة من الدولارات ورضى الخارج، بحمل القضية الفلسطينية، وكأنها عبء وجودي خاص به.

فبينما رفضت الدول العربية القرار الأممي الأول لحلّ الدولتين (القرار 181 عام 1947)،
وقّع لبنان عام 1969 اتفاق القاهرة الذي سلّم السيادة على جزء من الجنوب (شرق نهر الحاصباني) للمنظمات الفلسطينية.
بدل أن يبني لبنان جيشًا يحمي حدوده، سلّح “الثورة”، وصدّق ياسر عرفات أن طريق القدس تمرّ من العرقوب ومارون الراس… إلى أن تخايل له في لحظة أخرى أن طريقها تمر من جونية.

واندلعت الحرب الأهلية وانقسم اللبنانيون بضراوة كل يحتمي بطائقته وكل طائفة تستجدي بمكون خارجي.

ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، وتوسّع عام 1982، فاستقبل بعض أبناء الجنوب الجيش الإسرائيلي بالأرز على أمل إنهاء الفوضى.
ووصل أرييل شارون إلى بيروت، لكن أطماعه لم تقف عند “فتح”.
اغتيل بشير الجميّل، ودخل لبنان مرحلة مجازر في الجبل، وسط انسحاب إسرائيلي جزئي، وبقاء القبضة على جنوب الليطاني.

ثم جاء اتفاق الطائف، لا كحَلّ بل كأمر عمليات.
لم يكن تسوية وطنية، بل وقفًا لإطلاق النار بين الطوائف لتقاسم النفوذ وافتراس الدولة. لم يُحاسب أحد إلا سمير جعجع.

ثم جاء كلينتون ليصافح حافظ الأسد، ويُثبّت نظام الوصاية تحت غطاء “الشرعية العربية والدولية”.
مع العلم أن دخول سوريا إلى لبنان جاء باستغاثة لبنانية وتمّ بقرار من الجامعة العربية عام 1976 ضمن “قوات الردع العربية”، ثم انسحب الجميع وبقي الجيش السوري، يدير لبنان من عنجر التي كانت تُعيّن
وتُقصي وتُدير البلد كمحافظة سورية.

في أيار 2000، انسحبت إسرائيل تحت ضغط مقاومة شعبية جنوبية حقيقية. وكان قد اعلن إيهود باراك في صيف 1999 ضمن حملته الانتخابية عن قراره في الانسحاب من لبنان في ايار 2000، فتحقّق الانسحاب، فهلّل اللبنانيون، لكنهم كالعادة لم يبنوا عليه وطنًا. وهنا استغلّت إيران الفراغ، ومدّت أذرعها من العراق إلى اليمن إلى سوريا و لبنان، لتصبح “وكيلة فلسطين” وتفاوض بها على طموحها النووي.

ثم اغتيل رفيق الحريري.
قرار المحكمة الدولية كان واضحًا، لكن لم يُسق أحد إلى العدالة. تكرّرت الاغتيالات: جبران تويني، وسام الحسن، بيار الجميل، لقمان سليم… ولا تحقيق، ولا عدالة، ولا محاسبة.

هذا الإفلات من المحاسبة أصبح القاعدة، لا الاستثناء.
ثم جاءت حرب تموز 2006، التي اندلعت بقرار منفرد، بلا استشارة أحد، وانتهت بكارثة على البلد… ثم اعتُرف لاحقًا: “لو كنت أعلم”. وفي 7 أيار 2008، وُجّه السلاح إلى الداخل اللبناني في انقلاب ميليشوي على الدولة اللبنانية واجتياح ابيروت والجبل، ولم يُحاسب أحد.

بدأت الطوائف تُفسّر الدستور على هواها، وبدأت التهديدات العلنية للقضاة تُبثّ على الهواء. انفجرت لغة “الوكالة الإلهية”، وتمّ تحويل لبنان إلى قاعدة إقليمية بغطاء ديني.

نشأت دويلة داخل الدولة، بتمويل إيراني، وباستغلال موارد الدولة من ضرائب وجمارك ومرافئ ومطارات. دويلة لها جيشها ومستشفاها ومصرفها ومؤسساتها لا تمتثل إلا لايران عبر وكيل الله القابع في ضاحية بيروت التى أخذت مكان عنجر، في غرفة عمليات يصدر الأوامر للبنانيين عبر بيانات متلفزة تبث على المنار. وقابله عهد رئاسي ذهب بنا إلى “جهنم” بتغطية الدويلة كرمى أوراق اعتماد رئاسة الصهر.

ثم جاءت سكرة 7 تشرين 2023 حين أعلن يحيى السنوار عن مغامرته العقيمة التي رمّدت غزة. أقحمت إيران لبنان مرة جديدة في حرب ردع وقواعد اشتباك لم تتجاوز الأوهام فتحوّلت بيوت الجنوب والبقاع مجددًا إلى دروع بشرية، ودخلنا في قلب المعركة أدارها العملاء والجواسيس وهذه المرة… كنا نعلم النتيجة ولم نتعظ من حرب 2006 وثابرنا على الانتحار “على طريق القدس”.

وأما ٤ آب ٢٠٢٠، فهو قمة الخيانة. خيانة لوطن بُترت أرجله وظلّ يمشي، قُطعت يداه وظلّ يحمل أحلام أطفاله.
٤ آب هو الظلم بعينه، من نظام باع كل شيء مقابل كراسي وامتيازات، وخزّن نيترات الموت في العاصمة ليُهرّبها إلى سوريا ويُبيد بها شعبًا آخر.

٤ آب هو اللاوعي والانقضاض على الدستور،
هو حماية المجرمين،
هو عزل المحقق العدلي،
هو تهديد المحقق بقبعه على الهواء،
هو قمع التحقيق بأصبع وتخوين من يطلب الحقيقة التي بات يعرفها “اشرف الناس”.

لكن وسط كل هذا، كانت هناك ومضة أمل، في 17 تشرين 2019، اجتمع اللبنانيون – لأول مرة منذ عقود – على حلم مشترك وعلى أنغام الهيلا هيلا هو:
دولة مدنية، نظام عادل، عدالة واحدة، محاسبة شاملة.
لكن المنظومة قهرتهم، قمعًا وتجويعًا وتشويهًا ورمياً بالرصاص. ثم افلست الشعب من أمواله في المصارف لصرفها على الزبائنية والدعم للتهريب إلى سوريا ولفساد أهل السلطة وخاصة فيما يخص ملف السدود والوقود والكهرباء والتوظيف العشوائي والمجالس والصناديق ومرة أخرى باتت طريق القدس تمر من ساحة الشهداء في وسط بيروت. ولم يُحاسَب أحد.

ولعلّ المأساة الحقيقية في لبنان ليست فقط في من حكم، بل في غياب من يُحاسب.

لو وُجدت عدالة حقيقية:
– لَحاسبت من وقّع على اتفاق الخيانة (القاهرة)
– لَحاسبت من قتل الفلسطينيين في المخيمات
– لَحاسبت من اغتال رفيق الحريري
– لَحاسبت من أقحم البلد في حرب 2006
– لَحاسبت من اجتاح بيروت ووجّه السلاح إلى الداخل في 7 أيار 2008
– لَحاسبت من أطلق النار في احتجاجات بيروت في تشرين 2019
– لَحاسبت من تواطأ وتقاعس في انفجار #المرفأ

ولو كان هناك محاسبة لربما كنا انقلبنا على الأوامر الإلهية الإيرانية وتفادينا الانزلاق إلى الحرب العبثية في 2024.

٤ آب لم يكن “حادثًا”. كان نتيجة.
نتيجة لنظام لا يعرف الدولة، ولا يخاف القانون، يتكلم بإسم الله ولا يخافه، ولا يُحاسب أحدًا.

في الذكرى الخامسة، لا نحتاج إلى شعارات.
نحتاج إلى مواجهة والى الاعتراف بالحقيقة. نحتاج إلى أن نقول بوضوح:

هذا النظام هو الجريمة.
لا الدولة تنهض في ظله،
ولا العدالة تقوم على مقاسه،
ولا السيادة تُصان وهو قائم.

#٤_آب هو الفرصة الأخيرة لفهم المعادلة:
إما دولة مدنية، أو لا دولة.
إما دستور وقضاء ومحاسبة أو شريعة غاب.
إما #الجيش_اللبناني وحصرية السلاح بالدولة أو لا وطن.
إما عدالة حقيقية، أو لا حياة ولا كرامة.

والخيار… ما زال بأيدينا.
زياد انور الخليل 🇱🇧

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!