سيرة حياة المؤلفين الموحدين .. سيرة حياة الشيخ وسام سليقا

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم /
في زوايا الجبال اللبنانية، حيث تتعانق السماء مع الأرض، وتنسج الرياح همسات التاريخ على جبين الصخور، يولد الإنسان الذي يجعل من المعرفة حياة، ومن الثقافة شعلة تضيء دروب الآخرين. هناك، بين الحقول والبيوت القديمة، نشأ الشيخ وسام سليقا، حاملًا شغف الكتابة، وعشق الخط العربي، وروح الإرشاد التي ترافقه منذ الصغر.
منذ طفولته كانت الرياضة، الثقافة، والكتابة شركاء دائمين في مسيرة حياته، لتصبح الثقافة جزءًا من كيانه، وسلوكه، ونهجه في الحياة. بين دفتي الكتاب وألوان الحبر، تعلم أن المعرفة ليست مجرد تراكم كلمات، بل نبض حيّ، وتجربة يومية، وعمل مستمرّ يربط الإنسان بنفسه وبمجتمعه.
إنها قصة إنسان جمع بين الفكر والفن والدين، وجعل من الثقافة مشروع حياة، يربط الماضي بالحاضر، والفرد بالجماعة، ليصبح نموذجًا يحتذى في رحاب الوعي، والتعلم، والممارسة الإنسانية الأصيلة.
* مولده ونشأته
ولد الشيخ وسام سليقا في بلدة الفريديس – قضاء حاصبيا – في الأول من شباط عام ١٩٧١، في أسرة توحيدية عريقة، نشأ منذ طفولته على الهويات المتعددة، حيث كانت الرياضة، الثقافة، والكتابة شركاء دائمين في مسيرته. منذ صغره أبدى اهتمامًا بالخط العربي، فدرس هذا الفن العريق حتى حصل على إجازة في الخط العربي بخطّي النسخ والرقعة بدرجة ممتازة، ما منح مسيرته الفنية رصيدًا متينًا من المعرفة والمهارة.
* حياته العملية
تأصلت روح التدريس والإرشاد في شخصية سليقا، حيث عمل مدرسًا في القطاع الخاص، في الثانوية اللبنانية الحديثة LMC، قبل أن يتوسع نشاطه ليشمل محاضرات للشباب في ندوات إرشادية وتوجيهية، مساهماً في توجيه الجيل الجديد بروح ثقافية ودينية راشدة.
كما لعب الشيخ وسام دورًا مؤثرًا على صعيد الثقافة اللبنانية، حيث شغل منصب مسؤول الثقافة في نقابة الخطاطين على صعيد لبنان، وكان عضوًا في المجلس المذهبي منذ عام ٢٠١٨ في اللجنة الدينية لمدة ست سنوات. وامتدت مسيرته لتشمل مستشارًا لسماحة شيخ العقل للشؤون الثقافية والدينية، إضافة إلى انتخابه رئيسًا للجنة الثقافية في المجلس المذهبي، مع فوزه بدورة ثانية لتمثيل قضاء حاصبيا.
* تكريماته
شهدت مسيرة الشيخ وسام العديد من التكريمات والجوائز، منها دروع تكريمية من قيادة اليونيفيل، وجائزة أفضل شخصية للعام ٢٠٢٣، إلى جانب شهادة دكتوراه فخرية من منظمة السلام الدولية. إضافة إلى ذلك، حصل على دكتوراه فخرية في الخط العربي والزخرفة الخطية، ودكتوراه أخرى من أكاديمية الدكتور عبد القادر العذاقي.
على الصعيد الإعلامي، مثل الشيخ وسام سماحة شيخ العقل في العديد من المناسبات الوطنية والثقافية والدينية، وألقى أكثر من مئة كلمة ومحاضرة خلال العامين الأخيرين على مستوى لبنان، كما أجرى عدة مقابلات إعلامية مع محطات لبنانية وعربية.
* أبرز مؤلفاته:
لأن الثقافة حياة، دار الأنام، لبنان، ٢٠٢٥.
يبرز كتاب الشيخ وسام سليقا “لأن الثقافة حياة” كعمل فكري رصين يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة في زمن تتسارع فيه المعلومات وتختلط فيه القيم. يقدم الكتاب رؤية متكاملة للثقافة كنسيج حي يربط الماضي بالحاضر، ويقوي العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الفكر والعمل، مؤكدًا أن الثقافة ليست مجرد تراكم معرفي نظري، بل ممارسة يومية تُشكل الشخصية وتحدد طريقة العيش والتفاعل مع الآخرين.
يتناول الكتاب الثقافة من زوايا متعددة، بدءًا من فهمها كنمط حياة يظهر في سلوك الفرد، مرورًا بتحليل تأثير العولمة وثورة المعلومات على الهوية، وصولًا إلى دور التعليم في تعليم التفكير وتشجيع السؤال بدل التلقين. كما يبرز الكتاب العلاقة العضوية بين الثقافة والتماسك الاجتماعي، معتبرًا أن الثقافة المشتركة هي الغراء الذي يمنع التفكك، وأن الاستثمار فيها هو استثمار في مستقبل المجتمع.
لغة الكتاب جذابة وعاطفية، تربط بين الفكر والمعنى، بين التحليل والنقد، دون إقصاء، مؤكدًا أن الثقافة ليست في صدام مع الدين أو الموروث، بل جسر لفهم أعمق للإنسان وتقوية الصلة بين المعرفة والتجربة الحية. ومن هذا المنطلق، يسعى الكتاب إلى ترميم العلاقة بين الإنسان وذاته، بين الوعي والروح، وبين المعرفة وتطبيقها، ليصبح الوعي الثقافي قوة بناء فردية وجماعية.
* حفل التوقيع: تجربة حيّة للثقافة
في صباح مشرق من أيام بلدة الفريديس، كانت القاعة المهيبة تمثل لوحة فنية تتعانق فيها الطبيعة مع الثقافة، وبين أوراق الكتاب ورائحة الورق الجديد، اجتمع الناس من كل حدب وصوب. حضر الحفل شخصيات بارزة ومؤثرة، لتصبح الفعالية أكثر من مجرد توقيع، بل تجربة حية للثقافة والمجتمع.
وبرعاية وحضور سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، احتضنت قاعة بلدة الفرديس – قضاء حاصبيا، حفل توقيع كتاب “لأن الثقافة حياة” للشيخ وسام سليقا، رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي، بمشاركة ممثلين عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، النائب قاسم هاشم، ورئيس “اللقاء الديمقراطي” النائب تيمور جنبلاط، ووكيل داخلية حاصبيا – مرجعيون في الحزب التقدمي الاشتراكي سامر الكاخي، والنائب إلياس جرادة، والوزير السابق أنور الخليل، وممثل الوزير السابق مروان خير الدين رواد الشوفي، إلى جانب المطران إلياس كفوري، والمفتي الشيخ حسن دلي، وقائد القطاع الشرقي في “اليونيفيل” الجنرال أنطونيو رامون برنال مارتين، وعدد من رجال الدين، ورؤساء اتحادات وبلديات ومخاتير، ومديري مدارس، ونخب سياسية وفكرية، بحضور شعبي لافت.
افتتح سماحة شيخ العقل كلمته بالقول:
“بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى جميع أنبياءِ الله الطاهرين الطيِّبين. الشخصياتُ الكريمة، الأخوةُ والأخواتُ الأفاضل، أهلَ الكلمةِ الطيِّبة وأنصارَ الثقافة الأعزَّاء، فضيلةَ الشيخ وسام سليقا، يُسعدُني أن أشاركَ معكم هذا المهرجانَ الثقافيِّ المُميَّز، مبارِكاً ولادةَ كتابٍ رائعٍ قيِّم، لأخٍ غالٍ مُقدَّر، ومُحيِّياً جمهورَكم الكريمَ للمشاركة في إحياء حفلِ توقيعه.”
وأضاف سماحته:
“أنتم نُخبةُ القوم وأهلُ الجود والوفاء، والصورةُ الأكثرُ بهاءً لجنوبٍ شامخٍ راسخ؛ أشجارُ زيتونِه جذورُ التحام وأغصانُ سلام، وأقلامُ مفكِّريه بنادقُ دفاع وسلالمُ ارتفاع، وملتقى كنائسِه ومساجدِه وخَلواتِ موحِّديه الأتقياء رسالةُ رجاء من الأرض إلى السماء. وسام سليقا أيُّها المثقَّفُ المؤمنُ، أرى أنّك في ما كتبتَ وفي ما جمعتَ في هذا الحفلِ، تريدُ أن تُفصحَ وتقول: هكذا يتحدّى العُرقوبُ آلةَ الحرب والعدوان، وهكذا يتدرّعُ أهلُ العُرقوبِ بالكتاب والإيمان؛ يتصدَّون لمَدِّ القهرِ والحصار، فيصنعون جَزرَ الفرحِ والانتصار، وهمُ الفلَّاحون الصَّامدون في أرضهم، والمثقّفون المُتجذّرون في أصالتهم.”
وتابع:
“ها نحنُ هنا لنقول معكم: هكذا هم أهلُ الجنوب الأصيلون من كلِّ طائفةٍ ومذهب، متمسّكون بأرضِهم اللبنانية وهويّتِهم الوطنية وثقافتِهم العربية وانفتاحِهم على العالم. وها هم في حمى البيّاضة شيوخُ بني معروفَ المتمرِّسون بعيش المحبة والأُخوَّة، وها هو شيخٌ موحِّدٌ منهم، يَستلُّ فكرَه وإيمانَه وأدبَه الرفيعَ لمواجهة الجهل والقهر؛ مزوَّداً بالكلمةِ الحرَّةِ الموزونة وبالذخيرة التوحيدية والعلمية الحيّة، ناشراً رسالةَ “الوطن الرسالة”، ومُعلناً أنّ الثقافةَ هي المرآةُ الَّتي تعكسُ القيَمَ المتجذِّرةَ في العائلة، والهويَّةَ التي تُمثِّلُ العمقَ الإنسانيَّ والتّاريخيَّ للمجتمع، والدعوةَ الصادقةَ لتقبُّلِ التنوّع والاختلاف.”
وأكد سماحته:
“هذا الكتابُ النوعيُّ الذي نلتقي حوله اليومَ كنزٌ بلاغيٌّ وفكريٌّ وأخلاقيٌّ يَشعُّ٩ بالأفكار والحِكَم، في زمن يضجُّ بالمعلومات والتّشويش والألم؛ يُذكّرُنا بأنّ الثقافةَ شريانُ الحياةِ الأنقى، ومنبعها الأصفى، والسلاحُ الأمضى في وجه بطش العدوان وتهديد الأوطان، والغذاءُ الفكريُّ والعقليُّ والعاطفيُّ الذي تحتاجُ إليه الروحُ، تماماً كما يحتاجُ الجسدُ إلى الطعام والشراب والهواء.”
واختتم:
“بوركتِ الرسالة، وبوركت ثقافةُ الجَمع والسلام، وبورك حضورُكم أيُّها الأحبّةُ الكرام، في هذه الواحة الجنوبيّة الخَصبةِ المعطاء التي ما دَمّرت فيها الحربُ غيرَ أبنيةِ الحجارة، وما تغلّبَ فيها العدوانُ يوماً على صروحِ الحياة، ولتبْقَ الفرديسُ شاهدةً معَ قرى العرقوب الأبيّةِ على هذه الثقافة التي لا تموت، والتي يتمسّكُ بها الجنوبيُّون واللبنانيُّون بأملٍ وثقة، ولْتبقَ هذه الديارُ الحبيبةُ حاضنةً لإبداع الجنوبيينَ الأحرار، ومُختبَراً لعقول أبنائها الأبرار، وملتقىً لقلوبِ أهلِها المؤمنين الأطهار. عشتُم، عاشتِ الثقافة، وعاش لبنان، والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه.”
وقد قدّم الحفل العميد المتقاعد غازي محمود، مؤكدًا أنّ الكتاب “يُجسِّد رؤيته ويُعبّر خيرَ تعبيرٍ عن أهمّية الثقافة، التي تجعل الإنسان كائنًا رحب الأفق، واسع القلب، غني الروح”.
وألقت الدكتورة أماني سليقا باسم والدها مؤلف الكتاب كلمة قالت فيها:
“رَجُلٍ رَأى في المَعْرِفَةِ مَسْؤوليَّة، وَفي الكَلِمَةِ أَمانَة، وَفي كُلِّ فِكْرَةٍ فُرْصَةً، لِفَتْحِ بابٍ نَحوَ وَعيٍ أَعْمَقَ وَحَياةٍ أَوْسَع، رَجُلٍ لَم يَبْحَثْ يَوْمًا عَنْ مَجْدٍ شَخْصي، بَل كانَ يَسْعى إِلى أَثَر… إِلى قِيمَةٍ تُزْرَع، الى تَذْكيرٍ بَسيطٍ وَصادِقٍ بأَنَّ الثَّقافَةَ لَيْسَت تَرَفًا، بَل هِيَ طَريقٌ إِلى الحُرِّيَّة، وَفَهْمِ الذّات، وَبِناءِ المُسْتَقْبَل”.
كما ألقى الوزير والنائب السابق أنور الخليل كلمة مؤثرة، مؤكداً أنّ الثقافة شعلة النور التي تهدي العقول في عتمة التحوّلات والاضطرابات، وأنها الجسر فوق هوّة الجهل، والدرع الذي يحمي الأوطان من الانزلاق في متاهات التعصّب والانغلاق.
وشدّد الدكتور صالح زهر الدين على أنّ الشيخ سليقا جسد رسالته بكتاب “ثقافة الحياة”، فالكتاب يصنع الإنسان القادر على مواجهة التحديات، ويفتح عقول الشباب على المستقبل، ويزرع فيهم القدرة على النهوض والإبداع.
بهذه المناسبة، تجلّت صورة الجنوب
اللبناني الشامخ، حيث لم يُفلح العدوان يوماً في هدم صروح الثقافة والحياة، بل بقيت الجنوبيون والأجيال الجديدة على عهدي الفخر والتجذر بالهوية، حراسًا للكلمة، والدين، والثقافة، والأرض، والأمل.
وفي ختام الحفل أهدى نسخة من كتابه لسماحة شيخ العقل، وبدأ بتوقيع النسخ للحضور، الذين تحلقوا حوله بفرح وحماسة، متبادلين الحوارات والابتسامات، لتصبح لحظة التوقيع مشهدًا حيًا للتفاعل الثقافي، مليئًا بالدهشة والانبهار.
تحول الحفل من مجرد توقيع إلى لوحة ثقافية متكاملة، حيث امتزجت المعرفة بالروحانية والفكر بالعاطفة، لتؤكد فكرة الكتاب الأساسية: أن الثقافة ليست شعارًا، بل حياة نعيشها، نمارسها، وننقلها للأجيال القادمة. في تلك اللحظات، شعر كل الحاضرين بأن الكتاب ليس مجرد ورق وحبر، بل تجربة متجددة، تلمس القلب وتفتح الأفق للفكر والحوار.
* حياة العائلية
الشيخ وسام سليقا متأهل وله ثلاثة أبناء: الدكتورة أماني سليقا، سلطان سليقا (هندسة اتصالات)، وداوود سليقا في المرحلة الثانوية. تمثل حياته نموذجًا متوازنًا بين الأسرة، العمل الثقافي، والخدمة الدينية والمجتمعية، جامعًا بين الفكر، الفن، الدين، والممارسة اليومية.
وفي ختام هذه السيرة، تتجلّى أمامنا صورة رجلٍ عاش حياته رسالة، وكتب وجوده بالكلمة والمعرفة والإيمان. كان الشيخ وسام سليقا مثالًا للتفاني في الثقافة، والإخلاص في خدمة المجتمع، والتمسك بالقيم الإنسانية والأصالة الوطنية. سطر مسيرة حياتية متكاملة، منبعها التربية على المسؤولية، ومنتهاها أثرٌ دائم في النفوس، حيث جعل من الفكر جسرًا يربط بين الأجيال، ومن الكلمة شعلة تهدي الطريق، ومن العمل الصادق رسالة تستمر.
إن حياته تذكّرنا بأن الإنسان لا يُقاس بما يملكه من مناصب أو ممتلكات، بل بما يزرعه في عقول وقلوب الآخرين، وبما يقدمه للحياة من معرفة ونور. وتظل سيرته شاهدة على أن الثقافة ليست رفاهية، بل حياة تُحيا، وأن الالتزام بالقيم والمعرفة هو الطريق الأمثل لمواجهة التحديات، وإعلاء شأن الإنسان والمجتمع.
وفي هذا السياق، يظل الشيخ وسام سليقا رمزًا للمعرفة والعمل، ومصدر إلهام لكل من يسعى لعيش حياةٍ حقيقية، حياة تُثمر وعياً وفكرًا وإبداعًا، وتترك أثرًا خالدًا في القلوب والعقول.
إعداد مكرم المصري
صليما ١٦/ ١٢/ ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!