لواء ابو رافع: من الانفجار الكوني الكبير إلى ولادة الإنسان: بين مغامرات العقل الأولى وفجر النهضة

صدى وادي التيم – أخبار وادي التيم /
بمناسبة الاول من آذار ذكرى مولد المفكر أنطون خليل سعاده قامت منفذية حاصبيا بإضاءة الشموع ولهذه المناسبة كتب منفذ عام منفذية حاصبيا ومرجعيون الدكتور لواء ابورافع:
من الانفجار الكوني الكبير إلى ولادة الإنسان: بين مغامرات العقل الأولى وفجر النهضة
لم يكن ما فعله نيكولاس كوبرنيكوس مجرّد تصحيحٍ لمسار كوكبٍ ضلّ في خرائط السّماء، بل كان اقتلاعًا لعرشٍ وهميٍّ أقامه الإنسان لنفسه في قلب الكون. حين أزاح الأرض من المركز، لم تسقط حجارة فلكيّة فحسب، بل سقطت معها أسطورة التفوّق الصامتة التي جعلت الإنسان يظنّ أنّه محور الخليقة. انفتحت السماء فجأةً، واتّسع الكون، وصار الإنسان نقطةً صغيرة في بحرٍ من المجرّات. لكن تلك “الصَّغارة” كانت بداية العظمة؛ لأنّ الاعتراف بالحجم الحقيقي هو أوّل الطريق إلى المعرفة.
ثمّ توالت الزّلازل، فلم يعد السّؤال: أين تدور الكواكب؟ بل مَن يملك حقّ تفسيرها؟ ومَن يملك سلطة الحقيقة؟ ومع تراكم الشّكوك، تراجع ظلّ السّلطة المطلقة، بدأ العقل يشقّ دربه كفجرٍ عنيدٍ في ليلٍ طويل. شيئًا فشيئًا، فُصِلَت السّماء عن القصر، وصار الحكم شأنًا أرضيًّا لا امتدادًا لتأويلٍ لاهوتي. لم يكن ذلك عداءً للإيمان، بل تحريرًا له من سلاسل السّياسة، كي يبقى نورًا في الضّمير لا سيفًا في يد السّلطة.
أما نحن، فبقينا – في مساحات واسعة من وعينا – نحدّق في خرائط قديمة، كأنّ الزّمن توقّف عند حدودها. لم تكُ المشكلة في الإيمان، فالإيمان طاقة روحيّة خلّاقة، بل في تحويله إلى سقفٍ منخفضٍ يمنع الرّيح من الدّخول. بقينا نخشى السّؤال، كأنّ السّؤال ثقبٌ في سفينة الهُويّة، مع أنّ السّفن لا تُبحر إلّا إذا فتحت أشرعتها للريح. فصار الماضي عندنا حصنًا نحتمي به، لا أرضًا نقف عليها لنقفز أبعد.
نستعمل هواتف ذكيّة، لكنّنا أحيانًا نفكّر بعقلٍ يخاف الذّكاء. نبني أبراجًا عالية، لكنّ أساساتنا الفكريّة ما زالت تبحث عن شمسٍ جديدة. هكذا عشنا ازدواجيّةً مؤلمة: حداثة في الأدوات، ورجعيّة في الرؤية. نردّد كلمات العصر، لكنّنا نتنفس هواء الأمس.
غير أنّ الظّلمة لا تُلام إن غاب المصباح، بل يُسأل: من يشعله؟ هنا يطلّ اسم المفكّر أنطون خليل سعادة كصوتٍ حاول أن يوقظ الوعي من سباته. لم يدعُ إلى اقتلاع الجذور، بل إلى تنظيفها من الطّفيليّات. رأى أنّ الخلاص لا يكون بإلغاء الدّين، بل بفصل قدسيّته عن دهاليز السّياسة؛ أن يبقى الإيمان علاقةً سامية بين الإنسان وربّه، لا أداةً لتقسيم البشر إلى طوائف متناحرة.
دعا إلى دولةٍ مدنيةٍ يكون فيها المواطن قيمةً عليا، لا تابعًا لعصبيّةٍ أو مذهب. إلى وعي قوميٍّ اجتماعيٍّ يرى الأمّة كائنًا حيًا، لا قِطعًا متناثرة على رقعةٍ واحدة. وإلى عقلٍ علميٍّ يجعل من السّؤال عادةً يوميّة، ومن التّنظيم أساسًا للحياة، ومن العمل طريقًا للكرامة. كان يؤمن أنّ النّهضة ليست خطبةً تُلقى، بل نظامًا يُبنى، وأنّ الحريّة ليست شعارًا، بل مسؤوليّة تتجسّد في مؤسّساتٍ عادلة.
سقطت مركزيّة الأرض حين تجرّأ إنسانٌ على النّظر إلى السّماء بعينٍ جديدة. وربما لن تسقط مركزيّة الماضي في وعينا إلا إذا تجرّأنا على النّظر إلى أنفسنا بالجرأة ذاتها. بين ليل الجمود وفجر النّهضة خيطٌ رفيع اسمه السّؤال. فإن امتلكنا شجاعته، وفتحنا نوافذنا لريح العقل، أمكن لنا أن نصنع شمسنا الخاصّة، لا لنقلّد الغرب، بل لنضيء طريقنا نحن.
في الأوّل من آذار، ميلاد النّهضة القومّة الاجتماعيّة، تقف بلادنا على فاه التّنين، تُحاصرها ضباع الأرض،تتناهشها الدّمامل، تسكب في روحها لَعَنات أعدائها.
في ذكرى ميلاد أنطون سعاده، بلادنا تحتاج لاتقاد الفكر لا الإلغاء، لانبثاق عقد اجتماعيّ جديد قوامه وحدة الحياة، وعماده مصلحة الارتقاء والتّطوّر الواحدة. ففي الأوّل من آذار لا خلاص لبلاد أنهكتها الظّلمات إلّا بفكر جامع موَحِّد يُعيد بوصلة الحياة للمجتمع، ينبذ الإرادات الأجنبيّة، ويرسّخ الوعي الجامع، عندها فقط تجد بلادنا مكانًا لها تحت الشّمس.




