علي مزرعاني… الكاميرا السوفياتية التي وثّقت جبل عامل

صدى وادي التيم – لبنانيات /
إنه عاشق النبطية وحارس ذاكرتها ومؤرخ تفاصيلها، والعين الساهرة على توثيق الحياة أمام آلة الموت الهمجية الكبيرة التي لم تترك حجراً ولا بشراً ولا سوقاً ولا مكتبة:
من كاميرا «زينيت» السوفياتية الصنع في سبعينيات القرن الماضي، بدأ المؤرخ والباحث النبطاني علي مزرعاني رحلته مع الصورة والعمران وجدلية الدمار وإعادة البناء، وتوثيق أفراح المدينة وأتراحها ويومياتها وتطور بنيتها العمرانية والثقافية والسياسية. كأن تلك العدسة تثبّت التاريخ ليتمكن كل عاشق لتلك المدينة التي تمثل القلب النابض لجبل عامل أن يتحسّس جمالها بروحه وعينيه، وأن يستذكر قدرة المكان بتفاصيله الصغيرة والكبيرة على اجتراح تاريخ كامل من الأصالة والألفة والثقافة المنجدلة بالحياة اليومية، من الشبابيك المتقابلة في حي السرايا، إلى مشهدية عاشوراء المميزة وصولاً إلى الأندية الثقافية مثل «نادي الشقيف»، والمبنى الأثري لـ «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» الذي دمرته الطائرات الصهيونية، وليس انتهاء بسوق الإثنين التي كانت تشكل عقدة التجارة بين جبل عامل والشوف وحوران وفلسطين. عن كتابه الجديد «النبطية والجوار: أرشيف وذاكرة» (دار الفارابي، 2026) نحاور علي مزرعاني بعينه الساهرة على المدينة التي ترحل إليها قلوبنا كل يوم، حتى يندحر العدو عن أبوابها إلى الأبد
■ وراء هذا المشروع الطويل في توثيق النبطية وجبل عامل علاقة شخصية بالمكان وأهله. ما المشهد الأول الذي دفعك إلى حمل الكاميرا وجمع الصور والوثائق؟ ومتى شعرت بأنك تتولّى مسؤولية حفظ ذاكرة مدينة؟
طبعاً هناك علاقة عشق وحنين دائم للمكان الذي ترعرعت فيه، من حي التعمير شرق المدينة إلى حي السراي القديم التراثي حيث قضيت الجزء الأكبر من عُمري فيه وما زلت حتى الآن أتجول في زواريبه وبين بيوته القديمة.
هناك مسار قصير قبل المشهد الأول، فالصورة جذبتني للمرة الأولى من خلال القصص المصورة التي كانت تُعطى لنا في حصة المطالعة في المدرسة خلال المرحلة الابتدائية. كذلك، جذبتني من خلال الصحف والمجلات التي كان أبي يجلبها إلى المنزل، فكنت أراقبه وأسترق النظر إلى الكتب المركونة في إحدى زوايا غرفته كأنها كنزٌ. ثم بدأت تجذبني صوَر الحرب الأهلية في الصحف في العام 1976 وكانت تُعلق على اللوحة أمام مكتبة هاني الزين في النبطية. في العام 1977 بدأت النبطية تتعرض للقصف الإسرائيلي، فبدأتُ أدوّن هذه اليوميات كهواية.
-

النبطية عام 1950
وفي العام التالي حصلت على كاميرا «زينيت» السوفياتية الصنع، وكان المشهد الأول أو الصورة الأولى التي التقطتها لمنزل مدمَّر في حي السراي من جراء القصف الإسرائيلي. ومنذ ذلك الوقت، أخذت أصور كل البيوت التي دُمّرت في الحي وما تبع ذلك من اعتداءات متواصلة على النبطية ومحيطها قدر ما استطعت. اعتبرت أن هذه الصوَر هي لقطات حربية وثائقية، وتابعت هذا المسار حتى دخول القوات الإسرائيلية إلى النبطية والجنوب في حزيران (يونيو) عام 1982 ودخول النبطية المرحلة الإسرائيلية بعد انسحاب المقاومة الفلسطينية. كنت الوحيد الذي صوّر ووثّق الغزو الإسرائيلي لانعدام وجود صحافيين محليين في تلك الفترة. من هنا شعرت أن تصويري لهذه الأحداث أصبح واجباً ومسؤولية لحفظ ذاكرة المدينة وتاريخها وأحوالها.
■ يأتي كتابك الجديد امتداداً لأعمالك عن تاريخ النبطية وعمرانها وتراثها. ما الذي يضيفه إلى هذه السلسلة، وأيّ صورة للمدينة تتكشّف للقارئ حين يضع هذه الكتب بعضها إلى جانب بعض؟
كتابي الجديد ليس امتداداً لما سبق بالمعنى الحرفي للكلمة، بل تتويج لمسار من الكتب المتنوعة عن النبطية. هو كتاب مرجعي مخصص للحركة السياسية والوطنية والاجتماعية وتطورها من نهاية العهد العثماني حتى العام 1963 أي عبر سبعين عاماً من الأحداث، ويضم ألف صورة ووثيقة للنبطية وجوارها بكل أحداثها ويومياتها ومراحلها السياسية والحزبية. أما كتبي المختلفة، فتضع النبطية بكل تجلياتها وأفراحها وأحزانها وبيوتها وتراثها وجمعياتها ونواديها ومقاهيها ومدارسها ومشكلاتها وحروبها وقراها ومناطقها. تفصّلها وتحفظ ذاكرتها التي أعمل عليها كي تبقى حاضرة في نفوس الأجيال القادمة. وكان تركيزي على أن يحتوي كل كتاب مئات الصور لأن الصورة ذاكرة حيّة لا تموت وتحفظ حياة الناس وتاريخهم.
■ حين تقرأ النبطية من خلال بيوتها وأسواقها وأحيائها، ماذا يخبرك العمران عن حياة أهلها وتحولاتهم؟ نودّ أن تتوقف عند مكان محدّد تختصر حكايته جانباً من تاريخ المدينة وصلتها بجبل عامل.
يخبرنا المتبقي من عمران النبطية الذي يعود إلى القرن التاسع عشر عن الطيبة والألفة التي كان يتمتع بها سكان حي السراي الأساس في المدينة، وعن النافذة المفتوحة بين المنازل للتسامر خلال الليل الطويل. معظم سكان الحيّ على صلة قرابة بالنسب أو المصاهرة. يخبرنا العمران المتبقي عن بائعي الخضار وعن سوق القصّابين، وعن التجمع البشري الصباحي في الساحة العامة وسوق الإثنين الشهيرة ومدخل حي السراي القديم المملوء بمحلات الإسكافيين وتوابعهم بحيث كانت تُسمع طرقات الشواكيش على السندان في أرجاء النبطية.
يُخبرنا العمران عن تطور العمارة من بيوت الطين الفردية والقناطر الداخلية إلى بيوت الإسمنت والطوابق المتعددة، وعن العمل بزراعة التبغ إلى الهجرة نحو أميركا هرباً من التجنيد الإجباري التركي، ثم الهجرة نحو أفريقيا، وتبدل أحوال الناس بتبدل معاشها وحياتها. ولا ننسى عاشوراء النبطية الأشهر في جبل عامل ولبنان التي انطلقت أواخر القرن التاسع عشر مع الميرزا ابراهيم ثم تطورت مع الشيخ عبد الحسين صادق الجد. تطورت النبطية وانطلقت من نواتها الأولى حي السراي إلى حي الميدان وحي البياض وحارة المسيحيين، وتغيرت أحوال الناس وتبدلت مع الهجرات الاقتصادية والتهجير خلال الحروب المتعاقبة آخرها هذا العام وما زالت مستمرة.
نتوقف في مكان واحد يختصر النبطية ويحكي تاريخها وهي ساحة البيدر، فمنها انطلقت سوق الإثنين منذ عهد المماليك وامتدت إلى كل جبل عامل ومحيطه في فلسطين والجولان والشوف وجبل لبنان. هذه الساحة عبارة عن تجمع بشري يُعد بالآلاف يتعارف فيه الناس من كل المذاهب والمشارب. يتبادلون البضائع والمشتريات والأخبار، من مساء الأحد حتى مساء يوم الإثنين؛ هذه السوق هي تاريخ النبطية الاجتماعي والاقتصادي، فمنها تجمعت النبطية عمرانياً وحضرياً وانطلقت إلى الفضاء الأوسع.
■ تحتفظ الصورة بوجوه الناس وتفاصيل عيشهم، لكنها تحتاج أيضاً إلى مَن يستعيد أسماءهم وحكاياتهم. كيف تتحقّق من تاريخ صورة أو من رواية شفوية حين تتعارض الذكريات؟ وهل قادتك صورة إلى اكتشاف غيّر معرفتك بتاريخ النبطية؟
كثيراً ما استوقفتني صور الأشخاص الراحلين، أو صور مناسبات لا أعرف الأشخاص الموجودين فيها، وهو ما يرفع منسوب القلق والتفكير والأسئلة، فأحمل الصورة وأدور فيها على أشخاص أكبر مني لعلّي أحصل على جواب حاسم، عن الشخص وعن المناسبة وأحياناً أطوف بها على أكثر من شخص حتى أتأكد من المعلومة ومن الاسم والتفاصيل. كل الصور التي حصلت عليها مكّنتني من كتابة تاريخ النبطية غير المدون، فالصورة جاءت لتؤكد حادثة ما حصلت أو تاريخاً شفهياً. والصورة ضرورية كي يكتمل المشهد وأتأكد من التوثيق الصحيح. كانت لديّ صورة لم أتعرف فيها إلا إلى الشيخ أحمد عارف الزين صاحب مجلة «العرفان» الشهيرة.
ظلّت هذه الصورة تقلقني سنوات إلى أن عرضتها على الأديب الراحل حبيب صادق، فتعرف إلى أصحابها وعلى رأسهم الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري. لم تنتهِ القصة هنا، فالجواهري قدم إلى لبنان في العام 1950 وألقى قصيدة في بيروت في ذكرى الراحل عبد الحميد كرامي وانتقد حكومة رياض الصلح بشكل غير مباشر، بعدها غادر إلى النبطية لزيارة صديقه الأديب الشيخ أحمد رضا وبات ليلته عنده. في صباح اليوم التالي، قدمت سيارة للدرك اللبناني وأبلغته وجوب مغادرة لبنان كونه شخصاً غير مرغوب فيه. كانت هذه الصورة شاهدة على حدث اجتماعي بالغ الأهمية، وقد بقي الجواهري حوالي نصف قرن ممنوعاً من زيارة لبنان.
■ في زمن الإبادة وتدمير البيوت والمعالم، كيف تغيّرت علاقتك بالكاميرا وبمهمّتك مؤرّخاً؟ حدّثنا عن تجربة من التوثيق خلال العدوان تكشف ما يعنيه أن تكون ابن المكان والشاهد على محوه في الوقت نفسه.
الكاميرا تبقى كاميرا، توثق وتؤرخ. لكن في زمن الإبادة، أصبحت المهمة أصعب من حيث مواكبة تسارع التطورات وكثرة الدمار وصعوبة التقاط الصورة والحدث لحظة حصوله، نظراً إلى خطورة التحرك على الأرض. إن ازدياد الأحداث وتطورها شكلت ضغطاً كبيراً على طبيعة التوثيق الذي أقوم به.
كنت أعمل من الساعة السادسة صباحاً حتى منتصف الليل لمتابعة التطورات وتوثيقها عبر المواقع الإلكترونية والصحف القليلة العدد حتى أتمكن من تغطية مناطق الجنوب كافةً. صدر لي كتابان عن حرب 2024: الأول يغطي النبطية والثاني قضاء النبطية حيث قمت بتوثيق يوميات 66 يوماً من العدوان على 40 قرية في القضاء بالصورة والمعلومة، ثم قمت بزيارة ميدانية بعد الحرب حتى أتابع التوثيق بشكل دقيق وصحيح.
اعتبرت هذه التجربة واجباً عليّ في خدمة الجنوب وجبل عامل، وشعرت أن لا أحد غيري سيقوم بهذه المهمة. الحرب المستمرة في العام 2026 أشد هولاً بكثير من الحرب الماضية وأوصلتني إلى حدّ الانهيار والتعب بفعل التوثيق اليومي. أنا ابن هذا المكان وهذه البيئة. أشاهدها وهي تندثر وتدمر وترمّد أمام عيني وتحت قلمي الذي أكتب به هذا الرماد.
■ يفتح الدمار سؤال إعادة الإعمار: ما الذي ينبغي استعادته كي تستعيد النبطية شخصيتها وحياتها؟ وكيف يمكن أن تُسهم صورك ووثائقك في قرارات الإعمار، وفي تدارك ما أصاب تراث المدينة من إهمال قبل الحرب؟
علينا استعادة الأمن والأمان قبل أي شيء، ثم استعادة قرانا المحتلة عبر ما يُعرف بالخط الأصفر، ثم تأتي إعادة الإعمار ليعود الناس المشردون إلى منازلهم، وإعادة مؤسسات الدولة للعمل ليشعر هؤلاء الناس أن هناك دولة تحتضنهم وتتابعهم، ومعها فتح المدارس التي أقفلت وإعادة الحركة الثقافية والاجتماعية واستعادة الحركة الاقتصادية والمؤسسات التي تعطلت. من دون هذا الطيف الواسع، لن تستعيد النبطية عافيتها. كما يجب إعادة وصل ما انقطع من طرقات نحو القرى والمناطق المجاورة مثل النبطية الفوقا والزواطر ويحمر وكفرتبنيت وخاصة طريق الخردلي نحو قضاء مرجعيون.
لقد كانت صوري دائماً في خدمة الطلاب والباحثين الذين اهتموا بدراسة إعادة إعمار النبطية ووسطها التجاري، بحيث جرى توظيفها في إعادة رسم الخرائط ووضع التصاميم. كما أسهمت الصور والوثائق القديمة في فهم الحياة الاجتماعية والعمرانية والثقافية والسياسية إذ استُخدمَت في الكثير من المؤتمرات والأنشطة والمعارض. أسهمت هذه الصور في الحفاظ على الذاكرة العمرانية والتراثية، خصوصاً بعد تدمير معظم البيوت التراثية في الحروب الماضية من خلال كتابي الوثائقي الذي أصدرته عام 2012 بعنوان «النبطية ذاكرة المكان والعمران».
■ ما الذي يضمن بقاء هذا الأرشيف وإتاحته للأجيال المقبلة؟ وإذا اخترت من محفوظاتك صورة واحدة ترافق هذه المقابلة وتخاطب بها جيلًا لم يعرف النبطية قبل الدمار، فأيّ صورة تختار، وماذا تروي له عنها؟
إن ضمان بقاء هذا الأرشيف وإتاحته للأجيال المقبلة يكمن في تبني الدولة له والمساعدة على رقمنته وحفظه في مبنى خاص يكون مركز دراسات لأبناء المنطقة كي لا نفقد تاريخنا الذي يعمل العدو على إبادته وعلى إبادة بيوتنا التراثية.
أما أحبّ الصور إلى قلبي، فهي صورة النبطية بالأبيض والأسود التي أرغب أن أخاطب بها جيل هذه الأيام الذي لا يعرف ماضي المدينة، فأشرح له جمالها من خلال بيوتها القرميدية وجنائنها الخُضر وشوارعها الضيقة، وبيوت الطين في حي السراي القديم والسراي العثمانية التي كان قائمة قبل إزالتها عام 1972 وصورة منزل آل الفضل التاريخي (حكام منطقة الشقيف) الذي يعود للقرن التاسع عشر، والحقول الشاسعة المزروعة بالتبغ، وسوق الإثنين الممتدة على مدى ثلاثة أماكن، والمساحات الخضراء الشاسعة البعيدة عن عشوائية العمارة كما هذه الأيام. تحيلك الصورة إلى الطمأنينة والهدوء اللذين كانا يخيمان على النبطية ويجذبانك للعيش والاستقرار فيها، هذه هي الصورة الأحب إلى قلبي.
محمد ناصر الدين – الاخبار





