بعنوان “أوروبا ارقدي بسلام!

صدى وادي التيم -لبنانيات/
لم أتخيّل يوماً أن أكتب رثاءً للقارّة التي قصدناها بحثاً عن العلم والعمل والأمان. أوروبا التي كانت في مخيّلتنا وعداً بحياةٍ أفضل، تبدو اليوم مرتبكةً أمام مستقبلها. خلف الشوارع الأنيقة والمتاحف العظيمة قلقٌ على القدرة الشرائية المتراجعة، وعلى المصانع المثقلة بكلفة الطاقة ، وعلى رواتب لم تعد تكفي لبناء مستقبل. ويتجاوز الأمر انطباعاتي كزائر لايام فيها ليطرح أسئلةً عن قدرة الاقتصاد الأوروبي على المنافسة وسط تباطؤ النمو والتحدّيات الديموغرافية واشتداد المنافسة العالمية. وأنا، الآتي من عالم الصناعة أعرف أنّ الاقتصاد لا يعيش على أمجاد الماضي، وأنّ المصنع حين يفقد قدرته على المنافسة لا تنقذه خطابات الزعماء عن عظمة الوطن. لذا أخشى حقاً على أوروبا من يومٍ تصبح فيه مصانعها ذكرياتٍ تُروى إلى جانب حكايات قصورها، ويجد أبناؤها أنفسهم ورثةَ حضارةٍ عظيمة لا يملكون كلفة المحافظة عليها.ولا تُفهم أزمات الأوطان من أسماء الوافدين إليها وأديانهم، بل من السياسات التي أدارت شؤونها والقرارات التي رسمت مصيرها. فمَن جاء يعمل ويحترم القانون ليس كمَن استباح البلد، ومَن وُلد فيه لا تُعفيه جذوره من المسؤولية. ويبقى السؤال: كيف تُدار الهجرة؟ وكيف يصبح اللاجئ شريكاً في مجتمعٍ له قانونٌ ولغةٌ وحقوقٌ وواجبات؟ وهل فتح الأبواب للهجرة من دون تقدير القدرة على الاستيعاب والاندماج، سياسةٌ قابلة للاستمرار؟
أرفض أن يُوصَم كلّ اعتراضٍ على سياسات الهجرة بالعنصرية،كما كان يفعل صديقي اللبناني الفرنسي “مسيو نعيم” حين كان يردّ عليّ: “Tu es raciste” وأرفض أيضاً أن يصبح كلّ مهاجرٍ متّهماً. فالرحمة لا تُعفي أحداً من احترام القانون ، وحماية الهوية لا تبرّر إهانة الإنسان. وحسب رأيي، تحتاج أوروبا إلى سلطةٍ حازمة تُحاسب المعتدي على فعلته وتحمي العامل أيّاً كان أصله وتمنع تحوّل الاختلاف إلى جدرانٍ داخل المدينة الواحدة.
وفي فرنسا، أفهم الحنين إلى الجنرال ديغول وإلى صورة رئيسٍ يُشعرك أنّ لبلاده قراراً ووزناً ورسالة. لكنّ أزمات العقود لا تُختصر برئيسٍ واحد أو بنتائج انتخاباتٍ واحدة؛ فقد تعاقب اليمين واليسار والوسط، ولكلٍّ حصّته من المسؤولية بقدر ما حكم وقرّر وأجّل. المأساة أن تصبح الانتخابات وسيلةً لتبديل الوجوه، فيما تبقى المشكلات ذاتها، وأن ينشغل المسؤول بتبرير فشله أكثر من انشغاله بتصحيحه.
وأستحضر هنا الرئيس الشهيد بشير الجميل، وما قرأتُه في تحذيراته قبل أكثر من أربعين عاماً من خشيةٍ على الغرب من تداعيات أزماتٍ ظنّها بعيدةً عنه. ومع ذلك، ما زالت أوروبا تملك جامعاتٍ ومؤسّساتٍ وطاقاتٍ تتيح لها النهوض، ولهذا يبدو تردّدها مؤلماً ، فالخسارة أشدّ حين تتوافر وسائل النجاة ويغيب القرار.
أكتب بحزن لأنني ممَن أحبّ صورة أوروبا ورأى فيها ملاذاً لأبنائها وأبناء بلادها ولعلّني أرثي الوعد الذي منحناه ثقتنا أكثر ممّا أرثي القارّة نفسها.
فاستيقظي يا أوروبا قبل أن يصبح الرثاء حقيقة، لأنّ الأوطان لا يحفظها جمالُ ما تركه الأجداد، بل شجاعةُ ما يفعله الأحياء.



