1400 دولار الكلفة الشهرية للمتطلّبات الأساسية

 

صدى وادي التيم – إقتصاد/

بحسب التقديرات التي أعدّتها «الأخبار» لأسرة من أربعة أشخاص تستأجر منزلاً في بيروت أو ضواحيها، تحتاج كلفة السكن والغذاء والكهرباء والمياه والنقل وحدها إلى ما بين 1400 دولار و1500 دولار شهرياً. وبما أن حاجات الأسر أكبر بكثير، وغالبيتها ليس لديها مدخول كافٍ لتغطية الأساسيات، فإن الأعباء الكبيرة تفرض تكيّفاً قهرياً على المجتمع يدفعه إلى الاستغناء عن بعض الحاجات بما يقلّص بشكل ملحوظ مستويات المعيشة. بحسب منظمة العمل الدولية فإن متوسط دخل العمال في لبنان لا يتجاوز 560 دولاراً شهرياً.

وإذا كان في الأسرة عاملان بهذا الدخل، فإن مجموع ما يكسبانه لا يتجاوز 1120 دولاراً، أي إن مجموع الدخل لا يغطي الحدّ الأدنى من المتطلبات الأساسية. وتستبعد هذه الحسبة أكلاف التعليم والاستشفاء والدواء والملابس والاتصالات والإنترنت ومواد التنظيف والعناية الشخصية وأي نفقة طارئة. حتى الطعام اختُصر بسلّة «بقاء» لا تضمّ الدجاج واللحوم الحمراء والأجبان. عند هذا الحدّ، تُصنّف كل ضريبة إضافية ضمن سياسة تجويع عن سابق إصرار وتصميم. ومع ذلك، تواصل السلطة البحث في جيوب هذه الأسر عن تمويل «إصلاحها وإنقاذها».

تراكم هذا الوضع في السنوات الأخيرة منذ الانهيار في النصف الثاني من عام 2019، مروراً بثلاث سنوات من الحرب مع إسرائيل، تزامن جزء منها ضمن حرب إقليمية فرضت ضغوطاً أكبر كأسعار الطاقة والنقل والغذاء. لكن مسؤولية الحكومة تُقاس بما تفعله لحماية الناس من هذه الصدمات وتقليل تداعياتها. وحين تتراجع الخدمات العامة وتُترك الأسر لتشتري بدائلها، تصبح الدولة نفسها شريكاً في رفع كلفة المعيشة. نقص الكهرباء يتحوّل إلى فاتورة مولّد، ونقص المياه إلى شراء عبوات وصهاريج، وقصور النقل العام إلى استنزاف دخل العامل كي يصل إلى عمله. يدفع المواطن كلفة الخدمة التي لم تؤمّنها الدولة، ثم يدفع لها الضرائب والرسوم أيضاً. هكذا تُجبى منه كلفة عجزها عن أداء وظيفتها، وتمعن في البحث عن ما يزيد عجزه.

بالإضافة إلى كل ما سبق، يأتي مشروع موازنة 2027 ليكمل النهج نفسه. فالأولوية لزيادة التحصيل، فيما تبقى قدرة الناس على الدفع خارج الحساب. بعقل محاسبي، تبحث الحكومة عن المال من داخل النظام نفسه، من دون إعادة توزيع جدية للأعباء أو أي رؤية لخفض كلفة الخدمات الأساسية. فيستمر الاعتماد على الضرائب غير المباشرة والرسوم على الاستهلاك، بما يستنزف المداخيل التي يُنفق معظمها على الضروريات، بدلاً من نقل حصة أكبر من العبء إلى أصحاب الثروات والمداخيل العليا.

يبلغ مجموع كلفة الإيجار والغذاء والكهرباء والمياه والنقل نحو 1403 دولارات شهرياً في نموذج السيارة، مع احتساب البنزين فقط، ويرتفع إلى نحو 1486 دولاراً في نموذج انتقال شخصين بالسرفيس والفان. بذلك، تساوي هذه البنود ما بين 250.5% و265.4% من متوسط دخل العامل المعتمد من منظمة العمل الدولية. وإذا كان في الأسرة عاملان يتقاضى كل منهما 560 دولاراً، أي 1120 دولاراً معاً، يبقى عجز شهري يراوح بين 283 و366 دولاراً. فالاحتياجات الخمسة تستهلك بين 125% و133% من مجموع دخلهما.

وهذا العجز يظهر قبل أن يدخل الأولاد المدرسة، أو يمرض أحد أفراد الأسرة، أو يحتاج إلى دواء أو ثياب ولم تُحتسب الاتصالات ومواد التنظيف والعناية الشخصية وسائر النفقات، ولا مياه الصهاريج ولا كامل كلفة السيارة، فيما اختُصر الطعام بسلة غذائية محدودة التنوع. الحساب لم يكتمل، لكن الدخل انتهى. وحتى بعد استبعاد كل هذه الحاجات، تبقى الأسرة عاجزة عن تسديد الفاتورة.
ماذا بقي للأسر كي تتقشّف فيه؟ من أيّ بند تُقتطع الضريبة التالية، ومن أيّ حاجة يُموّل الرسم الجديد؟ تلك هي ترجمة «حكومة الإنقاذ» في حياة الناس. دولة تطالبهم بتمويل خزينتها، وتتركهم وحدهم أمام كلفة خدماتها الغائبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!