علي الطاهر أولاً… و”الخط الرمادي” ثانياً: ماذا تُخبّئ إسرائيل لروما؟

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
ما يجري في الجنوب اليوم لا يمكن فصله عن المسار التفاوضي المرتقب في روما، ولا عن الضغوط الأميركية على إسرائيل لاحتواء التصعيد وإعادة تحريك المفاوضات. فالميدان يتغير بسرعة، وإسرائيل تبدو وكأنها تريد الدخول إلى أي تفاوض جديد وهي تحمل معها وقائع فرضتها على الأرض.
قرار تفجير الأنفاق في منطقة علي الطاهر، بالتزامن مع الحديث عن الانتقال من “الخط الأصفر” إلى “الخط الرمادي”، لا يبدو تفصيلاً عسكرياً. فالمسألة تتعلق بما إذا كانت إسرائيل ستنسحب فعلاً من الأراضي اللبنانية، أم ستعيد تموضعها في منطقة أضيق تحت عنوان أمني جديد. وهنا بيت القصيد: تغيير اسم الخط لا يغيّر جوهر المشكلة. بالنسبة إلى لبنان، المطلوب ليس إعادة رسم منطقة الاحتلال، بل إنهاء الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. وإذا تحوّل “الخط الرمادي” إلى منطقة أمنية دائمة، نكون أمام واقع جديد لا أمام انسحاب.
أما علي الطاهر، فقصته تتجاوز الموقع العسكري؛ إسرائيل تريد، من خلال السيطرة عليه وتفجير الأنفاق، تثبيت ما تعتبره إنجازاً أمنياً قبل أيّ تراجع. وهذا يعني أنها قد تحاول الذهاب إلى روما وهي تقول عملياً: نحن مستعدون للانسحاب، ولكن ليس من دون الاحتفاظ بهامش أمني وقدرة على المراقبة والتدخل. وهنا يأتي دور الوسيط الأميركي الذي يعوّل عليه لبنان، لذا تدرك واشنطن أن استمرار التصعيد قد يطيح بالمسار التفاوضي، ويُفترض أن يكون الضغط على إسرائيل في اتجاه انسحاب حقيقي، وليس مجرد إعادة انتشار. ولكن هل الإدارة الأميركية جاهزة للذهاب بعيداً في هذا الضغط، خصوصاً أن إسرائيل تربط خطواتها بهواجسها الأمنية وبملف سلاح الحزب؟
وبين إسرائيل وحزب الله تجد السلطة اللبنانية نفسها أمام معادلة دقيقة جداً: لا يمكن رفض التفاوض، ولا مصلحة في العودة إلى الحرب، لكن في الوقت عينه ليس من السهل القبول ببقاء منطقة أمنية إسرائيلية داخل لبنان تحت أية تسمية، لذا من المفترض أن يكون الموقف الرسمي واضحاً في روما: لبنان مع التفاوض، ومع تثبيت الهدوء، لكنه يريد انسحاباً كاملاً وضمانات واضحة، لا هدنة طويلة تتحول لاحقاً إلى أمر واقع.
وفي المقابل، يبقى حزب الله أمام اختبار صعب. فكلما استمرت إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض، ضاقت مساحة المناورة، وأصبح أيّ رد عسكري أكثر كلفة على لبنان والدولة.
وبحسب خبير عسكري فإن “المعركة المقبلة قد لا تكون على تلة علي الطاهر وحدها، بل على ما بعد علي الطاهر، مشيراً إلى أنّ المنطقة الرمادية تندرج ضمن التصعيد الإسرائيلي وهي من الممكن أن تكون إقتراحاً إسرائيلياً لما سيكون عليه إتفاق الإطار بعد تنفيذه، موضحاً أنّ أيّ انسحاب إسرائيلي وشيك الى منطقة تبعد عن الحدود ثلاثة أو أربعة كيلومترات لن يكون مجاناً من دون أي ثمن. ولفت إلى أنّ الحديث عن إدخال أي تعديل على إتفاق الإطار والإبقاء على منطقة أمنية بدلاً من الانسحاب الكامل، لا ينسجم مع التصريحات الإسرائيلية التي تؤكّد ألّا إنسحاب قبل سحب سلاح حزب الله من كل لبنان”.
وتوقف الخبير العسكري عند تخفيف حزب الله من أهمية سقوط علي الطاهر قائلاً: “ليس حزب الله من يحدد الأهمية الاستراتيجية للتلال، بل موقعها الذي يكشف كامل النبطيه وصولاً إلى شمالي إسرائيل، رابطاً إنسحاب الحزب من علي الطاهر بغياب توازن القوى”. ورأى الخبير العسكري “أنّ شروط حزب الله في المواجهة لم تتحسن وما نفّذه في علي الطاهر سيقوم به في المواقع الأخرى وعلى رأسها دير الزهراني، وأنّ البحث عن مسوّغات لهذه الخسارة الكبرى غير منطقي، محذّراً من خطورة الوضع ومن إنسحاب الحزب الى الداخل اللبناني تحت الضغط الإسرائيلي ما سيشكّل عبئاً على رئيس الجمهورية والحكومة وسيهدّد السلم الأهلي”.
في المحصّلة يبقى السؤال: هل يكون الخط الرمادي محطة مؤقتة على طريق الانسحاب، أم نسخة جديدة من واقع أمني إسرائيلي داخل الجنوب ينسف أي حديث عن الإنسحاب الكامل؟ هذا ما ستحدده مفاوضات روما، وسيكون الجواب عليه مرتبطاً: أولاً بمدى جدية الضغط الأميركي، وثانياً بقدرة لبنان على تثبيت موقف رسمي موحد: لا لإعادة إنتاج الاحتلال تحت مسميات جديدة، ونعم لمسار يؤدي فعلياً إلى الانسحاب والاستقرار.



