العرقوب: مملكةٌ زراعية تحت حصار النار والوجع

صدى وادي التيم – أخبار وادي التيم /
تتميز منطقة العرقوب في جنوب لبنان بتنوع مناخي وجغرافي فريد، يجعل من كل بلدة فيها “مملكة زراعية” قائمة بذاتها. ورغم أن شجرة الزيتون تجمع هذه القرى كرمز مشترك للصمود، حيث تحتل النسبة الأكبر من الأراضي، إلا أن لكل بلدة “بصمتها الخضراء” الخاصة. لكن للسنة الثالثة على التوالي، يأتي فصل الصيف مثقلاً بالوجع؛ فالواقع الأمني المعقد والاعتداءات الإسرائيلية اليومية حرمت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، متسببة بخسائر كارثية لمواسم تعرضت فيها آلاف الدونمات من البساتين (التين، الزيتون، الصنوبر، الصبير، العنب، والسماق) والأحراج المشاعية (الصنوبر المثمر، السنديان، والملول) لأضرار جسيمة نتيجة الحرائق والقذائف الفسفورية.
شبعا وكفرشوبا: الكرز المنسي على خط النار
في المرتفعات الشاهقة حيث تتربع شبعا وكفرشوبا كأهم مراكز زراعة الكرز، تمنح البرودة وذوبان الثلوج حبات الكرز صلابة ونكهة مميزة. وفي مثل هذا الوقت، كان يفترض أن تتحول البساتين إلى ورش عمل عائلية، لكن المزارعين يقفون اليوم عاجزين عن الوصول، جراء القصف المستمر واستهداف الآليات – كما حدث مع المزارع علي ياسين – مما تسبب في بقاء المحصول على أمه ليواجه التلف، ويحرم مئات العائلات من مصدر رزقها الأساسي.
كفرحمام وراشيا الفخار: غابات الصنوبر وبساتين التين المعزولة
عند الانتقال إلى القرى ذات الارتفاع المتوسط، تبرز كفرحمام وراشيا الفخار، المشهورتان بجودة إنتاجهما من التين والصنوبر الجبلي الأبيض الثمين. وتعاني هاتان البلدتان من “طوق أمني” فرضه الاستهداف الصاروخي والمدفعي، مما منع المزارعين من متابعة استثمار الأرض، مهدداً بضرب مقومات البقاء المعيشي.
الماري والهبارية والفرديس: صراع البقاء في أرضٍ مهددة.
في السهول الأكثر انخفاضاً، تحاول بلدة الماري الاستمرار في لعب دور “شريان الخضار الطازجة” للمنطقة عبر البيوت البلاستيكية والري. ورغم محاولات العمل الجزئي، إلا أن كلفة النقل المرتفعة، قلة اليد العاملة، وخطورة الطرقات، جعلت من الصمود الزراعي هناك معركة يومية قاسية. أما بلدتا الهبارية والفرديس، فرغم كونهما في الخط الثاني للاعتداءات، إلا أن أجزاء واسعة من أراضيهما بات طالها الاستهداف، مما جعلها مناطق شبه متروكة.
ما وراء النبات: أزمة الرعي والمواشي
لم تقتصر الأزمة على المزروعات فحسب، بل امتدت لتشمل الثروة الحيوانية. فقد واجه مربو الماعز والدواجن واقعاً مريراً؛ إذ منع العدو الرعاة من الوصول إلى مراعيهم، مما اضطر عدداً كبيرراً منهم إلى النزوح نحو البقاع نظراً لتشابه تضاريسها مع بيئتهم الأصلية، فيما يجد المزارعون أنفسهم عاجزين عن مواصلة عملهم في البساتين أو رعاية مواشيهم.
محاولة قسرية لقطع الرابط التاريخي
إن التنوع الزراعي في العرقوب يواجه اليوم أخطر أزماته؛ فالأمر لم يعد مجرد خسارة موسم عابر، بل يتعداه إلى محاولة قسرية لقطع الرابط التاريخي بين المزارع وأرضه. فالخسائر لا تختصر في موسم أو موسمين، بل قد تتعدى عشرين عاماً من الجهد؛ فأشجار الصنوبر المحترقة تستوجب الاستبدال الكلي، والأشجار المعمرة كالزيتون والتين التي فاق عمرها الستين عاماً تحتاج إلى أكثر من عشر سنوات لتعيد إنتاجها، بينما المقتلع منها يحتاج إلى عقود ليعود إلى عطائه. ورغم قسوة هذا الواقع، يبقى المزارع العرقوبي متمسكاً بترابه، بانتظار لحظة العودة ليحيي أرضه من جديد.
في نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة العرقوب بما يُجنى من محاصيله فحسب، بل بهذا التمسك الأسطوري الذي يبديه أبناؤها. إنها أرضٌ لا تُنسى، ومزارعون لا يرحلون. فخلف كل شجرة محترقة قصة صبر، وخلف كل حقل مهجور حلم بالعودة، لتبقى العرقوب، رغم كل الندوب، عنواناً للثبات اللبناني الذي لا ينحني أمام العواصف.
بقلم: زينة عبد الحميد





