سيرة حياة المؤلفين الموحدين: سيرة حياة الشيخ غالب سليقة

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم /

 

هناك رجال يولدون عاديين، ويمضون عاديين، ورجالٌ يولدون وفي أيديهم مصابيح صغيرة تكبر مع الوقت، حتى تصبح مناراتٍ للناس وذاكرةً للبلاد.
من هذا النوع جاء غالب سليقه إلى الدنيا في السادس من شباط عام ١٩٤٢، في بلدة الفرديس الواقعة عند الخاصرة الهادئة لوادي التيم. كانت السماء يومها صافية كما يُروى، وكأن الطقس نفسه كان يتهيّأ لاستقبال من سيكتب عنه لاحقاً آلاف القرّاء، ويقرأ له أهل الجنوب كما يقرأون سجلّ أيامهم.

وُلد غالب في بيتٍ دافئ، بين أمٍّ حانية تُدعى فريدة، وأبٍ كريم الروح يدعى حسن، وجاء بكرَ ثمانية إخوة، يحمل في قسمات وجهه منذ صغره ملامح القيادة، وفي عينيه شرارة السؤال، وفي نبضه رغبة لا تهدأ في أن يفهم العالم، لا كما يقدمه الآخرون، بل كما يشعر به قلبه.

* أول البدايات… طفلٌ يلتقط الحكايات كما تُلتقط الحبات من سنابل القمح

في الفرديس، حيث الطرقات ترسم حكاياتها على ظلّ الجبال، بدأ غالب حياته محاطاً بتراثٍ شفهيّ غنيّ. السهرات الشتوية، الدفء حول المدفأة، القصص الشعبية، الأمثال المتوارثة… كلّها كانت تغرس في ذاكرته حبوباً من جمالٍ خفي، ستنمو لاحقاً في كتبه.

وفي مدينة صيدا، حيث تابع تعليمه، كان الصبي ينظر إلى المكتبة كما ينظر طفلٌ إلى مدينة ملاهٍ واسعة. كان يشتري الكتب بمال مصروفه، ويقرأ حتى ينسى نفسه. لم يكن يعرف يومها أن هذا التراكم سيصنع منه واحداً من أبرز حفظة الذاكرة الثقافية في الجنوب.

* التعليم رسالته… والمدرسة بيته الثاني

عام ١٩٦٢، دخل غالب ميدان التعليم، لكنه لم يكن ذلك المعلّم الذي يدخل الصف ليشرح الدرس ثم يغادر. كان مربّياً بالمعنى الجوهري للكلمة؛ يكتب، ويحاور، ويحلم، ويغرس في طلابه حبّ الأرض واحترام اللغة.

ومنذ أن تقلّد إدارة مدرسة الفرديس، أصبح المبنى مكاناً يُشبه صاحبه: هادئاً، منظماً، دافئاً، ومفتوحاً على كل ضوء. وبفضل جهوده وبدعم من اليونيسف ومؤسسات خيرية، شُيّد مبنى مدرسي نموذجي، ما يزال حتى اليوم شاهداً على أن المعلّم حين يريد، يصنع معجزات لا تصنعها الإدارات.

* حاياته العائلية.
تزوّج غالب من السيدة ليلى أبو ربيعة، ووجد فيها شريكة درب لا تقل عشقاً للمعرفة عنه. ورُزقا أبناءه الأربعة: فادي، رنا، رواد، وحسن. في بيته، كانت المكتبة هي الضيف الدائم، والكلمة هي اللغة المشتركة، والقراءة هي الخيط الذي يربط أفراد الأسرة.

كان أباً يتكلم بصوت الشاعر، ويبتسم بابتسامة العارف، ويروي لأولاده قصصاً تشبه تاريخ الجنوب، ملونة بصدقٍ لا يُشترى.

* التأليف والكتابة.

دخل غالب سليقه عالم الأدب والصحافة بشغف الباحث عن الحقيقة. كان يرى الكتابة واجباً أخلاقياً قبل أن تكون مهارة. كتب في النهار، السفير، اللواء، الديار، صدى حرمون، المال والعالم، ثم في مجلة الضحى، حيث حمل معه همّ المنطقة وتاريخها وتحوّلاتها.

كان يكتب عن الناس الذين يشبهون الأرض؛ الصادقين، البسطاء، الصابرين. كان يكتب عن الجنوب الذي فيه من الشعر أكثر مما فيه من السياسة، وفيه من الحكايات ما يكفي لكتابة مئات الكتب.

* الانتماء الثقافي
لم تكن عضويته في الجمعيات الأدبية مجرّد بطاقة في جيبه؛ كانت مساحةً للتأثير. في الرابطة الثقافية في حاصبيا، منتدى حرمون الثقافي، حلقة الحوار الأدبي في بيروت، واتحاد الكتّاب اللبنانيين، كان صوتاً هادئاً لكنه عميق، يقدّم الكلمات في محافلها كما يقدّم المزارع حصاده في موسم الخير.

ألقى أكثر من خمسين كلمة في مناسبات اجتماعية وثقافية؛ كان كلّ خطاب منها يخرج من القلب ليصل إلى القلوب، لأن الرجل يكتب بضمير، ويتكلم بإحساس، ويحفظ في صدره تاريخ منطقة كاملة.

* دوره في المجلسٌ المذهبي
بعد تقاعده، انتُخب عضواً في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز (٢٠٠٦–٢٠١٢)، وكان نائباً لرئيس اللجنة الثقافية. لم يكن دوره هناك رسمياً فقط، بل كان امتداداً لمسلكه التوحيدي الروحي الذي انتمى إليه، والذي منح كتاباته عمقاً وجودياً وروحياً.

من يقرأ لغالب سليقه يشعر أن وراء كل سطر نبضة توحيد، وهدوء حكمة، وتأمّلاً يندر في زمن الضجيج.

* الباحث الذي يقرأ الأرض كما تُقرأ الكتب

لم يتوقف عند حدود الأدب، بل غاص في التاريخ، في المقامات الدينية، في سِيَر الأنبياء، وفي القلاع والحصون القديمة. جاب حاصبيا ومرجعيون مشياً في كثير من الأحيان، يتفحّص حجارة القلاع، وينصت إلى صمتها، كأنها تهمس له بأسرارها.

حتى مادة الحمّر، هذا التراب المميّز في حاصبيا، درسها بعين الباحث الجاد، وسجّل عنها ما لم يلتفت إليه كثيرون. كان يؤمن أن كل تفصيل في الأرض هو جزء من هوية المكان.

* جوائز وتكريمات.

حصل على شهادات تقدير من جهات محلية ودولية كثيرة:
جمعية جبران خليل جبران الأدبية، منتدى حرمون، حلقة الحوار الثقافي الأدبي – UCAF، وزارة الدفاع النرويجية، مسؤولة العلاقات الدولية في المدارس النرويجية، هيئة أبناء العرقوب، الوزير أنور الخليل، لجنة مهرجانات الهبارية، بلدية حاصبيا، مكتبة بعقلين الوطنية، وجمعية تمدّن.

وهذه ليست مجرد شهادات تُعلّق على الجدران؛ هي اعتراف بأن الرجل خدم الثقافة كما يخدم الجندي وطنه، وحمل تاريخ منطقته على كتفيه كما يحمل الراعي قطيعه نحو المراعي الآمنة.

* علاقاته الأدبية.

لم يكن غريباً أن يربطته صداقة طويلة بالأديب الكبير سلام الراسي، فقد جمعتهما روح واحدة: حب الناس، وصدق التعبير، ودفء الحكاية. كذلك كانت علاقته بالأديبة إميلي نصرالله علاقة تقدير متبادل، ومثلها صلته بالشاعر هنري زغيب، وقد قدّم كل منهم كتاباً من كتبه.

هذه العلاقات هي شهادة أخرى على أن غالب سليقه كان جزءاً من النسيج الثقافي اللبناني، لا على الهامش بل في القلب.

* أبرز مؤلفاته.

أصدر عدداً من الكتب التي باتت تُعد مراجع في التراث الشعبي وفي تاريخ وادي التيم، ومنها:

١- قصائد مهاجرة (١٩٩٢).

٢- حاصبيا وما إليها (١٩٩٥).

٣- مآثر وعبر (١٩٩٩).

٤- حصاد من الزمن (٢٠٠٣).

٥- قيم ومقامات (٢٠٠٦).

٦- من خوابينا (٢٠١٢).

٧- الخميرة (٢٠١٨).

٨- وادي التيم: أرض القداسة (٢٠٢٥).

هذه الكتب نفدت من الأسواق، كأن القارئ يجد فيها شيئاً ضائعاً من ذاته، أو نافذة تطلّ على ماضٍ يطارده الحنين.

* الخاتمة
وهكذا، يتبدّى لنا التاريخُ ليس سلسلةً من الوقائع الجامدة، ولا سردًا يتيه في الأزمنة، بل هو نبضٌ حيّ يتردّد في الوجدان، ومرآةٌ صافية تعكس جوهر الإنسان في بحثه الدائم عن الحقيقة والهوية والانتماء. وما كان لصفحات هذا البحث أن تُختَتم إلّا بالعودة إلى تلك الروح الأولى التي انطلقت منها: روحُ السؤال، والحفر في العمق، ومساءلة الماضي من أجل أن يُنصت الحاضر، ويستبصر المستقبل.

لقد حاول هذا العمل أن ينسج من خيوط الوقائع نسيجًا مُحكَمًا، يزاوج بين المنهج العلمي الصارم وبين اللمسة الإنسانية التي تمنح النص دفئه ورقيّه. فالحقائق بلا روح، لا تصنع تاريخًا، بل جداولَ أرقام؛ والروح بلا حقائق لا تصنع معرفة، بل حكايات بلا جذور. ومن هنا جاء هذا البحث ليجمع الاثنين، فيتّسع للأرض والسماء معًا، وللواقعة ولأصدائها في الذاكرة.

ولعلّ أجمل ما في التاريخ أنَّه يحمل أسرار البشر: إخفاقاتهم التي تُنبت الحكمة، وانتصاراتهم التي تُنبت الرجاء، ودموعهم التي تصبح، مع الزمن، حبرًا لصفحات جديدة يكتبها آخرون، ويتعلّمون منها. وما دراستنا هذه إلّا محاولةٌ متواضعة لإضاءة زاوية من زوايا هذا المشهد الكبير، كي لا يبقى الماضي مُعلقًا في العتمة، وكي تبقى الأجيال على صلةٍ بجذورها، تَنهل من معينها، وتواصل المسير بثقةٍ وثبات.

إنّ الوصول إلى خاتمة لا يعني نهاية البحث، بل بداية تفكيرٍ جديد. فالتاريخ لا يُغلَق، بل يظلّ قابلاً لإعادة القراءة كلما تغيّر الإنسان، أو تبدّلت زوايا نظره. وربّما يكون أجمل ما نطمح إليه أن يفتح هذا العملُ شهية القارئ للبحث، وأن يوقظ فيه ذلك القلق المعرفي الجميل الذي يُشعل الأسئلة، ويجعل من كل صفحة جسراً إلى أخرى.

وفي النهاية، يبقى التاريخُ رسالةً ومسؤولية: رسالةٌ نُؤَدّيها بأمانة، ومسؤوليةٌ نضعها في يد القارئ، علّه يحمل المشعل من جديد، ويواصل الكتابة في سفر الذاكرة، كي لا تُمحى آثار الذين مرّوا، ولا تضيع بصمات الذين صنعوا الحكاية.

إعداد مكرم المصري
صليما: ٣٠ / ١١/ ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!