كفرمشكي وحادثة غرق سفينة “تايتانيك”

صدى وادي التيم – أخبار وادي التيم /
وُصِفتْ الباخرة السياحيّة الإنكليزيّة الجبّارة “تايتانيك” بأنها “لا تُحرق ولا تُغرق”. لكنها وفي رحلتها الأولى التدشينيّة في 15 نيسان 1912، وعلى بعد 700 ميل إلى الشرق من هاليفاكس في كندا، اصطدمت بجبل جليدي ضخم، أحدث فيها صدعاً طوله 90 متراً، ما أدى إلى غرقها بالكامل بعد ساعتين وأربعين دقيقة. وكان على متنها 2223 راكباً، فلقي 1517 منهم حتفه، فيما نجا منهم 706 شخصاً.
وفي لائحة ركاب سفينة “تايتانيك”، أسماء لعرب كانوا مسافرين على متنها. لكنهم منسيون في الأعماق وبالكاد ذكرهم العالم طوال قرنٍ ونيّف على أسوأ كارثة مدنية عرفتها البحار. ولا نجد ما يشير إليهم سوى لقطة من فيلم “تايتانيك” الذي أنتج عام 1997، وفيها نسمع “يلا.. يلا” تقولها أم بلهجة لبنانية وهي تستعجل ابنتها للفرار من السفينة حين بدأت تغرق. ويرد زوجها مهدِّئاً من روعها: “بس بس خليني شوفلك” وهو مرتبك في ممر في الدرجة الثالثة من السفينة، يبحث في صفحات كتيّب يحتوي على بيانات السفينة عن مخرج في الممر ليعبر منه هارباً مع عائلته. وباستثناء هذه اللقطة التي دامت 6 ثوان فقط من الفيلم الهوليودي، لم نسمع أو نرى ما يذكرنا بعرب “تايتانيك”، فيما العالم يتذكر ضحاياه الآخرين في كل مناسبة.
وروت الكاتبة الأميركية السورية الأصل ليلى سلوم الياس نقلاً عن ناجين رووا ما حدث لذويهم في ما بعد، أن عدداً من اللبنانيين تم قتلهم بالرصاص لعدم انصياعهم لأوامر حرس السفينة، وقالت أن السبب الرئيس في مقتل أحدهم “الياس طنوس نصر الله، 22 عاماً من كفرمشكي”، كان لأنه حاول الوصول الى قارب نجاة ليحتل مكاناً فيه كان يسعى إليه آخر من ركاب الدرجة الأولى، كان برفقة أحد مشاهير أميركا الملياردير هنري سليبر هاربر وزوجته، ونجا الثلاثة لأنهم كانوا أول من هرع الى موقع زوارق النجاة، وصعدوا إلى المركب رقم 3 من بين 20 زورقاً كانت في السفينة، وكان من المفترض عدم السماح لهم بركوبه، لأن الأوامر كانت بنجدة النساء والأطفال أولاً.
وما أن نأتي على ذكر حادثة سفينة تاتانيك الكارثيّة، إلاّ ونذكر قرية كفرمشكي في قضاء راشيا، التي كانت أكثر قرية لبنانية تكبَّدت خسارة فادحة بغرق “تايتانيك”، فخسرت 13 من أبنائها من أصل 59 ضحية لبنانية في تلك الكارثة. ونجا من أبناء كفرمشكي إمرأة واحدة إسمها زاد نصر الله التي عمّرت، وزارت البلدة مرة واحدة في حياتها في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت مصابة بكسر في رجلها نتيجة الحادث، ما تسبب لها بإعاقة دائمة لم تكن تسعفها على المشي. وحملت معها أثناء زيارتها لبنان مقدار صفيحتين من الذهب.
ولم يعلم أقارب الذين غرقوا على متن السفينة وأهلهم، بخبر غرق سفينة تايتانيك إلا بعد نحو شهر. عندما نقلته في تلك الآونة مجلة «الخواطر» في عددها رقم 18، الصادر في 16 أيار 1912.
أمّا أسماء الضحايا الذين غرقوا على متن السفينة من كفرمشكي فهم: عساف طعمة السيقلي، الياس يوسف شاهين نصرالله، أسعد حنا رزق نوفل، الياس طنوس نصرالله، سليمان خليل، كرم يوسف وزوجته ماريا، بربارة داود وابنتها سعيدة، منصور حنا، بالإضافة إلى شخصين آخرين مجهولي الهوية بسبب فقدان سجلات ضحايا السفينة، وعدم ورود الأسماء على سجلات الركاب بعدما انطلقت السفينة من مرسيليا.
وأقامت قرية كفرمشكي حينها مأتماً جماعيّاً لضحاياها، وممّا قيل في ذلك المأتم من ردّات الندب، ردّة لرجلٍ يدعى نقولا الفرديسي قال:
“شو غَرَّقِكْ بالبحر يا “التينيكي”
كلّ الحبايب والقرايبْ فيكِ
قالتْ: ثقيل الحِمِلْ برجال الثقالْ
والحُزنْ صار ثقيل.. منعزّيكِ”
وتخليداً لذكرى جده عساف جرجس طعمه السيقلي وذكرى ضحايا كفرمشكي الذين قضوا غرقاً في حادثة التايتانيك قام السيد كمال السيقلي بوضع نُصبٍ تذكاري بديع لهم عند مدخل بيته في بلدته كفرمشكي من تصميم ونحت إبن بلدة عين عطا الفنان الموهوب وائل أبي عاصي، يُجسّم الباخرة تايتانيك وأسماء ضحايا كفرمشكي.
مروان محمد درويش



