السعودية تبدأ هندسة لبنان من بوابة الثنائي

 

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/ 

حين ترفع الرياض الحظر عن المنتجات اللبنانية، فهي لا تفتح أسواقها “للخضار أو الفواكهة” بل تفتح باب اختبار سيادي كامل للبنان: هل خرج القرار اللبناني من المنطقة الرمادية إلى المنطقة السيادية؟ وهل باتت الدولة قادرة على ضبط حدودها قبل أن تطالب بفتح حدود الآخرين؟

لسنوات، كان العقاب الخليجي جماعياً لأن الفشل اللبناني كان جماعياً. حزب الله اختطف السياسة الخارجية، والدولة “تواطأت بالصمت”، فدفع المزارع والصناعي والتاجر ثمن معادلة لم يصنعوها. ما تغيّر اليوم ليس مزاج الرياض، بل معادلة بيروت. تنسيق أمني غير معهود، تفكيك ممنهج لشبكات التهريب التي حوّلت لبنان إلى ممر مخدرات إلى الخليج، وخطاب رسمي تخلى عن الحياد السلبي لصالح التزامات حكومية واضحة.

 

لكن الأهم من ذلك: الرياض تعيد تعريف دورها في لبنان. من قوة ضغط خارجي إلى لاعب يسعى لملء الفراغ الذي خلّفه تراجع طهران وسقوط دمشق. سياسة “الاستيعاب” الجديدة لا تستهدف حزب الله بالمواجهة، بل البيئة الشيعية بالاحتواء، والدولة اللبنانية بالتمكين، لإنتاج تفاهم لبناني جديد تكون المملكة عرّابه.

القطيعة الخليجية التي بدأت نهاية 2021 كانت رداً ظاهرياً على تصريحات وزير الاعلام يومها، لكن جوهرها أعمق: إحباط خليجي تراكمي من “استثمار بلا عائد” في دولةٍ اختطف حزب الله قرارها الاستراتيجي. منذ 2016، أوقفت الرياض مساعدات بمليارات الدولارات، وتراجعت الاستثمارات، وانهار السياح الخليجيون من 30% من إجمالي الوافدين إلى نسب هامشية. الرسالة كانت واضحة: لا جزرة مالية مع بقاء السلاح خارج الدولة. ما تغيّر اليوم هو التقاء مسارين: الاول مرتبط بالعهد الجديد وحكومة الرئيس نواف سلام، اذ قدّما خطاباً غير رمادي. تعهدات “الدولة أولاً” لم تبقَ كلاماً. الإجراءات على الحدود اللبنانية-السورية، والمراقبة الدقيقة للمعابر الشرعية، والتعاون الاستخباراتي، طمأنت الرياض بأن الحياد السلبي انتهى. الرياض اعتبرت ذلك “تغيّراً جذرياً لنهج كان سائداً”. أما المسار الثاني فيتعلق بالرياض، حيث دخلت المنطقة زمن “التماسك والتقليص والمناورة”. بعد سقوط نظام الأسد وتراجع المشروع الإيراني إقليمياً، رأت السعودية فراغاً استراتيجياً في البيئة الشيعية اللبنانية. سياسة “الاستيعاب بدل المواجهة” باتت أداة النفوذ. دعم الدولة اللبنانية، لا خصوم حزب الله فقط، هو الطريق لعزل الحزب عن طهران ودفعه نحو الاندماج تحت سقف الدولة.

سبحة الانفتاح السعودي، كما ترسمها المعطيات، ستكرّ تباعاً. رفع الحظر عن المنتجات اللبنانية والتي تقدر بقيمة 247 مليون دولار في 2020 قبل الحظر، هو المرحلة الأولى. الفواكه والخضار، التي شكّلت 36 مليون دولار من الصادرات، ستعود إلى أسواقٍ كانت تستوعب 60% من الصادرات الزراعية اللبنانية. هذه الخطوة تنقذ مواسم آلاف المزارعين، وتضخ دولارات يحتاجها الاقتصاد المنهك بعد أن صُنّف انهياره كواحد من أسوأ ثلاثة في العالم.

المرحلة الثانية المرتقبة هي رفع حظر السفر عن الرعايا. لكنها مشروطة بثلاثة عناوين: إنهاء الحرب، تثبيت وقف إطلاق النار، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار. فالسعودية تتفهم أن الوضع الأمني يحول حالياً دون قرار مماثل. عودة 400 ألف لبناني عامل في الخليج إلى حرية الحركة، واستئناف السياحة الخليجية التي كانت تنفق بحدود 14 ألف دولار للسائح الواحد، ستعني ضخاً مباشراً في الفنادق والتجارة والعقار.

هنا بات مؤكدا أن الانفتاح السعودي ليس عملاً خيرياً. هو جزء من مناورة إقليمية أوسع. في 2021 كان الضغط على لبنان ورقة في ملف اليمن، ومقايضة ضمنية “لبنان مقابل اليمن”. اليوم، بعد تغيّر ميزان القوى، تحوّل لبنان من “عصا” للضغط على إيران إلى “جائزة” يمكن انتزاعها من المحور الإيراني المتراجع. الرياض تريد أن تكون عرّاب “التفاهم اللبناني الجديد” عبر بوابة دعم الدولة من خلال الاستثمارات ومساعدات لإعادة الإعمار، وعودة التحويلات التي بلغت 43% من إجمالي تحويلات المغتربين. كما تسعى الى احتواء البيئة الشيعية باعتماد خطاب يريح الهواجس، ومشاريع تنموية في المناطق المحرومة، لكسر احتكار “المقاومة” للتمثيل وازاحة اي دور تركي قد ينشأ مستقبلا.

تجربة 2012-2021 علّمت الخليج أن الانسحاب لا يعني خسارة كبيرة، فلبنان “بالوعة مساعدات” بلا أهمية استراتيجية توازي سوريا أو العراق. لكن الرهان اليوم مختلف. إذا فشلت الدولة اللبنانية في تثبيت الإنجاز الأمني، وإذا عاد الخطاب الرمادي، فإن سبحة الانفتاح ستتوقف عند أول حبّة. أما إذا نجح، فالسعودية ستكون قد استثمرت في “هندسة شرق أوسط جديد” عبر بيروت، لا عبر الدبابات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!