حدود الأمن من السويداء إلى الليطاني؟ نتنياهو وأردوغان وجهًا لوجه في دمشق وبيروت..

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
كتب نادر حجاز في موقع الترا صوت
يزداد المشهد اللبناني السوري تعقيدًا، حيث تفرض الجغرافيا السياسية حكمها على مجرى التاريخ والأحداث، وتتقاطع المشاريع التوسعية الكبرى على حساب مشروع الدولة الوطنية، وتصبح السيادة وجهة نظر وفق مصلحة الأقوى.
تأخذ مجريات التطورات هناك منحى أكثر وضوحًا، عبّر عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في تصريح قد يكون الأول من نوعه بهذه الصراحة، معتبرًا أن الأمن القومي لتركيا يبدأ من بيروت ودمشق وحلب، في رسالة واضحة لإسرائيل وحدودها التي قضمت الجنوبين السوري واللبناني.
حذر متبادل
شكّل سقوط نظام الأسد ووصول أحمد الشرع محطة مفصلية بالنسبة لإسرائيل، خشية التمدد التركي قرب حدودها، والذي يُعتبر الداعم الأهم للحكم الجديد في دمشق سياسيًا وعسكريًا.
عبّرت تل أبيب عن قلقها باكرًا، حيث شنّت سلسلة غارات عنيفة داخل الأراضي السورية منذ الصباح الأول لسقوط النظام، مستهدفة مقرات عسكرية ومستودعات أساسية للجيش، إضافة إلى التوغل الميداني والسيطرة على قمة جبل الشيخ الاستراتيجية.
تطرح تصريحات أردوغان تساؤلات كبرى حول الإجراءات التي يمكن أن تقوم بها أنقرة، وهل يمكن أن ترقى إلى مستوى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة عبر دمشق وبيروت؟
وجاء التعبير الإسرائيلي الأوضح حول رغبتها التوسعية، والذي أثار حفيظة تركيا، في أحداث السويداء، والتي في خلفياتها الحقيقية ليست إلا صراعًا حول حدود الأمن القومي بين تركيا وإسرائيل.
العين على لبنان
ويبدو أن القلق التركي انتقل إلى لبنان، حيث وجّه أردوغان، الأربعاء، انتقادات إلى إسرائيل، قائلًا إن بلاده لن تسمح بـ”فرض الأمر الواقع” على سوريا ولبنان، معتبرًا أن “دمشق وبيروت شقيقتان لإسطنبول”، مشددًا على أن أنقرة لن تتغاضى عن أي هجمات تستهدف البلدين.
وفيما أوضح أن “تركيا تدرك جيدًا الهدف النهائي لأوهام الأرض الموعودة”، أكد “أننا بإذن الله لن نسمح أبدًا بذلك”، معتبرًا أن الهجمات التي نفذها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و”شبكته الإجرامية”، على حد وصفه، في سوريا ولبنان، وصلت إلى مستوى بات يهدد تركيا أيضًا.
تطرح هذه التصريحات تساؤلات كبرى حول الإجراءات التي يمكن أن تقوم بها أنقرة، وهل يمكن أن ترقى إلى مستوى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة عبر دمشق وبيروت؟
مَن يرث إيران؟
يشير الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب، في حديث لـ”الترا صوت”، إلى أن “العامل الأساسي في لبنان هو تركي – إسرائيلي – إيراني. وبطبيعة الحال لن تدافع تركيا عن إيران التي خرجت من سوريا ويتراجع حضورها في لبنان، وبالتالي تخشى أن تكون إسرائيل هي البديل لها في جنوب سوريا ولبنان. لذلك رفع أردوغان السقف في وجه تل أبيب”.
ويضيف: “لا تخشى تركيا مما يحصل في لبنان، لكنها تخشى مما يحصل في سوريا، وأعتقد أنها لن تقبل باستمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري، وهذا يمكن أن يكون مدار بحث في الولايات المتحدة الأميركية مع أردوغان، استنادًا إلى رؤية السفير توماس براك”.
توضح هذه القراءة أن “الصراع الآن حول مَن سيرث إيران في سوريا ولبنان، وأين ينتهي الأمن القومي الإسرائيلي ويبدأ التركي، بعدما كانت المظلة الإقليمية صاحبة النفوذ شبه الوحيد من العراق إلى غزة، قبل أن يبدأ هذا الحضور بالتراجع منذ عملية “طوفان الأقصى”، وصولًا إلى الحرب الأميركية الإيرانية المباشرة”.
دعوة الشرع إلى التدخل
تتزامن تصريحات أردوغان التصعيدية مع تلك التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، داعيًا الرئيس الشرع إلى التدخل في لبنان بوجه حزب الله. وألمح ترامب إلى أن الشرع “سيرغب في المساعدة” في التوصل إلى اتفاق بشأن الصراع في لبنان.
لم يمر هذا الكلام مرور الكرام، لا سيما لدى رئاسة الجمهورية اللبنانية، وأشار الرئيس جوزاف عون إلى “أننا نأخذ تصريحات الرئيس ترامب بشأن احتمال تدخل سوري بعين الاعتبار. مع ذلك، ندرك أن الرئيس الشرع يتمتع بحس عالٍ من المسؤولية والوعي، ولن ينجر إلى مستنقع لبنان”.
أمام هذه المستجدات يصبح الربط مشروعًا بين كلام أردوغان ومحاولة توريط الحكم السوري الجديد في معركة دموية في منطقة البقاع في لبنان، حيث الخزان البشري والعسكري لحزب الله.
ولكن هل يمكن أن تقبل أنقرة بهذا التدخل؟ وهل يخدم أمنها القومي؟
يعلّق ملاعب قائلًا: “تركيا لن تسمح لسوريا، بأن تتدخل في لبنان لمساعدة الإسرائيلي. وهي التي تعيد مأسسة الجيش السوري وبناءه من جديد، ولن تقبل بأي دور له في لبنان يؤدي إلى إضعاف إيران لصالح إسرائيل”.
ويضيف ملاعب: “لفتني تصريح توماس براك منذ أسبوع، إذ قال إنه لا بد من وفاق اقتصادي استراتيجي بين سوريا والعراق وتركيا، ما يعني بشكل واضح أن لبنان سيكون خارج هذا الوفاق”.
بلاد الشام
لم يكن هذا التصريح الأول لبراك، إذ سبق له أن أثار الجدل مرارًا حول مستقبل لبنان، محذرًا في تموز/يوليو 2025 من أن لبنان قد يواجه تهديدًا وجوديًا إذا فشلت الدولة في معالجة ملف سلاح حزب الله. وقال في تصريحات لصحيفة “ذا ناشيونال”: “إذا لم يتحرك لبنان فسيعود إلى بلاد الشام من جديد”، وهي إشارة أكثر وضوحًا لما ألمح إليه ترامب منذ أيام عن دور ما للشرع.
ونقلت وكالة “رويترز” في آذار/مارس الماضي عن خمسة مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة شجعت سوريا على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، لكن دمشق كانت مترددة خشية الانجرار إلى حرب إقليمية وتأجيج التوتر الطائفي.
بالتزامن، تحمل الدعوة الموجهة للشرع لزيارة البيت الأبيض ولقاء ترامب في 14 حزيران/يونيو، إذا لم تتأجل كما أفادت بعض المعلومات، دلالات كبيرة، وربما تكون تحديًا كبيرًا للرئيس السوري بعد الاحتضان الكبير له من قبل الإدارة الأميركية التي رفعت العقوبات عن سوريا، لا سيما قانون “قيصر”.
فهل عاد المشروع إلى الواجهة من جديد؟ وكيف سيكون موقف الشرع إذا ما طلب ترامب منه رسميًا التدخل في لبنان من باب انضمام سوريا إلى التحالف الدولي على أثر زيارته الأولى إلى البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر 2025؟
اجتماع حدودي
في هذه الأثناء، عادت الحدود اللبنانية السورية بالغة الحساسية إلى دائرة الاهتمام، حيث التقى قائد قوى حرس الحدود في الجيش السوري، العميد حسن عبد الغني، بحضور عدد من الضباط، الخميس، وفدًا من الجيش اللبناني ترأسه مسؤول الارتباط العميد ميشال بطرس.
وجرى خلال اللقاء بحث القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تعزيز التعاون والتنسيق بين الجانبين في مجال ضبط الحدود ومكافحة أنشطة التهريب، بما يسهم في تعزيز الأمن الحدودي بين البلدين ويحد من حركة الشبكات التي تنشط على جانبي الحدود.
فالق التحولات
يقع لبنان على فالق تحولات خطير، وتصطدم فوق أرضه إمبراطوريات ودول تسعى إلى توسيع نفوذها، كما المشاريع الاقتصادية الطامعة بإطلالة البحر الأبيض المتوسط، وخطوط التجارة الدولية الجديدة بين الممر الهندي والممر الباكستاني السعودي إلى سوريا وتركيا.
سيشتد الكباش وتكبر المواجهة، وإن وقعت طهران اتفاقًا مع ترامب، فالمطلوب رسمه على خرائط الشرق الأوسط ما زال طويلًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!