لماذا لا تثور الشعوب على الظلم؟ بقلم الطالب رامي محمود

 

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم /

قراءة نفسية-عصبية-اجتماعية في حالة المجتمع اللبناني
المقدمة

من الملاحظ أن كثيراً من الشعوب، رغم معاناتها من الظلم والفقر والفساد، لا تقدم على التغيير الجذري أو الثورة. هذه الظاهرة ليست خاصة بمجتمع دون آخر، بل تتكرر في معظم البيئات التي يسودها نظام سلطوي أو أبوي.
في الحالة اللبنانية، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكن لشعب يعي الظلم والفساد يومياً أن يبقى في حالة سكون شبه تام، رغم تراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية؟
هذا المقال يحاول مقاربة هذه الظاهرة من زوايا متعددة: علم النفس الاجتماعي، علم الأعصاب، التربية، والأنثروبولوجيا الثقافية، لفهم كيف يتكوّن الامتثال الجماعي على المستوى النفسي والعصبي والثقافي.

أولاً: التبرير النفسي للظلم

يشرح عالم النفس الاجتماعي جون جوست من خلال نظرية تبرير النظام(System Justification Theory) أن الإنسان ميّال إلى تبرير الوضع القائم لأنه يشعر بعدم الأمان أمام فكرة أن العالم ظالم أو غير عادل.
في لبنان، يمكن ملاحظة ذلك في العبارات اليومية مثل: “هيك البلد ما بيتغير”، أو “الله كبير”، أو “من وين بدنا نبلّش؟”.
هذه الجمل تعبّر عن آلية دفاع نفسي جماعي: فبدلاً من مواجهة الواقع بشجاعة (وما يرافقها من قلق وعجز)، يلجأ الفرد إلى تفسير مريح يجعل الظلم يبدو قدراً لا يمكن تغييره.
كما يرى Stroebe وآخرون (2018) أن الشعور بالعجز الجمعي (Collective Inefficacy) يؤدي إلى اللامبالاة السياسية، أي أن الفرد يعتقد أن “حتى لو نزلت عالشارع، ما رح يتغير شي”، مما يبرر له السكون.

ثانياً: الامتثال العصبي والخوف الاجتماعي

من الناحية العصبية، الطاعة ليست مجرد خيار واعٍ، بل ترتبط بتفاعل بيولوجي داخل الدماغ.
تُظهر دراسات Spitzer et al. (2007) وYoder & Decety (2017) أن الخضوع للسلطة ينشّط مناطق المكافأة في الدماغ، بينما العصيان يُفعّل مناطق الخوف مثل اللوزة المخية (Amygdala).
أي أن دماغ الإنسان يتعلم أن “الطاعة آمنة”، بينما “التمرّد خطر”.
في لبنان، يمكن رؤية هذا النمط في تردّد الأفراد عن مواجهة الزعماء المحليين أو رجال الدين أو أرباب العمل، لأن الخوف من العقاب الاجتماعي (النبذ، خسارة الوظيفة، التعرض للعنف) يُترجم بيولوجياً كخطر يهدد البقاء.
إضافة إلى ذلك، فإن *الضغط الاجتماعي* (Social Conformity) يجعل الدماغ يتوافق مع الأغلبية لتفادي الشعور بالعزلة، وهو ما أظهرته دراسة Stallen & Sinnott-Armstrong (2015).
في المجتمعات التي تُدين الاختلاف، مثل المجتمع اللبناني التقليدي، يصبح الخروج عن رأي الجماعة فعلاً مكلفاً عصبياً ونفسياً.

ثالثاً: النظام الأبوي والتربية السلطوية

النظام الأبوي لا يقتصر على العائلة بل يمتد إلى كل بنية اجتماعية.
في التربية اللبنانية التقليدية، يُربّى الطفل على الطاعة المطلقة للأب، وللمعلم، ولرجل الدين. الجملة الشهيرة “ما ترفع صوتك عالكبير” تختصر فلسفة الطاعة التي تتحول مع الزمن إلى سلوك راسخ.
هذا النمط من التربية يُنتج ما يسميه بورديو “العنف الرمزي”: أي أن المقهور يقبل قهره لأنه تعلم أن الطاعة فضيلة.
في المدرسة، يُطلب من التلميذ الحفظ دون مناقشة، وفي البيت يُكافأ على الامتثال لا على التفكير النقدي.
وحين يصبح هذا الطفل مواطناً، يستبدل صورة الأب بصورة الزعيم، فيُطيع دون مساءلة.
وهذا يفسر لماذا، رغم إدراك اللبنانيين للفساد، لا يتحدّون البنى السياسية بعمق: لأنهم يرون في الزعيم شخصية أبويّة تمثل الحماية والهوية، حتى لو كانت مصدر الظلم نفسه.

رابعاً: الأنثروبولوجيا والعلاقات الزبائنية

من منظور أنثروبولوجي، المجتمع اللبناني قائم على البنية الطائفية والزبائنية.
الولاء لا يكون للدولة بل للطائفة أو للزعيم الذي يقدّم “الخدمات” مقابل الولاء السياسي.
وهذا النمط من العلاقات يجعل الثورة ضد الظلم معقدة، لأن الظالم نفسه يُعتبر مصدر الأمان.
في المجتمعات القَبَلية أو الزبائنية، الولاء العاطفي يتفوّق على العدالة العقلانية.
كما تبيّن الدراسات الأنثروبولوجية أن هذه البُنى تُعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل، إذ تُترجم الطاعة والولاء في طقوس اجتماعية (الانتخابات، المجالس الدينية، الزعامات المحلية) بحيث يصبح التغيير تهديداً للنظام الرمزي العام، لا فقط السياسي.

خامساً: المزيج الثلاثي المفسّر للسكوت

من خلال دمج هذه المقاربات، يمكن فهم لماذا لا يثور الناس على الظلم في لبنان وغيره:

1. على المستوى النفسي: الخوف من الفوضى والرغبة في النظام تدفع لتبرير الواقع.
2. على المستوى العصبي: الدماغ يفضّل الأمان العصبي على الخطر الناتج عن التغيير.
3. على المستوى الاجتماعي والثقافي: النظام الأبوي والطائفي يُكافئ الطاعة ويُعاقب التمرّد.

وبالتالي، يتحول الخضوع إلى بنية ذهنية وثقافية يصعب كسرها، لأن التغيير يتطلب إعادة برمجة جماعية للدماغ والقيم معاً.
الثورة، في هذا السياق، ليست فقط عملاً سياسياً، بل عملية نفسية-ثقافية-بيولوجية معقدة ضد تاريخ طويل من الخوف والولاء.

الخاتمة

من منظور علمي متعدّد التخصصات، لا يمكن تفسير صمت الشعوب تجاه الظلم إلا بفهم التفاعل بين العوامل النفسية والعصبية والاجتماعية والثقافية.
في الحالة اللبنانية، يمكن القول إن النظام الأبوي والتربية السلطوية والولاءات الطائفية عملت معاً لتشكيل ما يشبه “الاستقرار الخائف”: استقرار يقوم على الطاعة لا على العدالة، وعلى الولاء لا على المواطنة.
لذلك، أي تغيير حقيقي لا يبدأ من الشارع فقط، بل من إعادة تربية الأجيال على النقد، والاستقلال، والجرأة في التفكير.

المراجع

1. Jost, J. T., Becker, J., Osborne, D., & Badaan, V. (2011). Why Men (and Women) Do and Don’t Rebel: Effects of System Justification on Willingness to Protest. Harvard University Repository.
2. Stroebe, W., et al. (2018). Where Did Inaction Go? Towards a Broader Understanding of the Psychology of Collective Inaction.* Journal of Social Issues, 74(1), 63-83.
3. Spitzer, M., et al. (2007). The Neural Signature of Social Norm Compliance. Neuron, 56(1), 185-196.
4. Yoder, K. J., & Decety, J. (2017). The Neuroscience of Morality and Social Decision-Making. Psychological Inquiry, 28(1), 1-22.
5. Stallen, M., & Sinnott-Armstrong, W. (2015). The Neuroscience of Social Conformity. Frontiers in Human Neuroscience, 9, 758.
6. Ellemers, N. (2020). Neuroscience and the Social Origins of Moral Behavior. Current Directions in Psychological Science, 29(5), 433-439.
7. سعود مسعودة وجمال تالي (2024). «الهوية الاجتماعية والامتثال الاجتماعي – قراءة سوسيولوجية في المفهوم». مجلة المجتمع والرياضة، 7(2).
8. رندا العكاشة (2021). «علاقة علم النفس الاجتماعي بالتأثيرات الاجتماعية». موقع إي-عربي.
9. «علم النفس العصبي المختصر للسلطوية». موقع NeuronUP العربي، ديسمبر 2023.
10. «البيولوجيا العصبية: تميّز عقولنا بين التأثيرات الاجتماعية المختلفة». صحيفة بشائر الإلكترونية، أكتوبر 2022.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في التدقيق اللغوي والبحث عن المراجع العلمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!