محافظة النبطية في الصدارة في إنتشار مرض السرطان

 

صدى وادي التيم – طب وصحة /

مجدّدًا، تسجّل منطقة النبطية والجنوب أعلى نسبة إصابات بمرض السرطان في لبنان، كما أكّدت رئيسة قسم الأورام السرطانية في مستشفى نبيه بري الجامعي الدكتورة هيفاء دبوق، التي قدّرت العدد بـ “الآلاف”.

لم تكن الدراسة التي أعدّتها مجلة Lancet الطبية مفاجئة، والتي كشفت أن لبنان يسجّل أعلى نسبة إصابة بالسرطان عالميًا، وصلت إلى 80 %، لكن الصدمة الحقيقية تكمن في الأسباب التي دفعت البلاد إلى هذا التصنيف المقلق، النبطية أولى لبنانيًا من حيث عدد الإصابات، لا سيّما في سرطانات: الرئة، الثدي، والبروستات، وتُعزى الأسباب إلى: التلوّث البيئي، التدخين، وآثار الحروب.

تقول الدكتورة دبوق إن الأزمة الاقتصادية كانت سببًا إضافيًا في تفاقم الوضع، موضحةً: “كثير من المواطنين، باتوا غير قادرين على إجراء الفحوصات أو حتى تلقي العلاج، ما أدّى إلى اكتشاف المرض في مراحله المتقدّمة، وارتفاع عدد الإصابات”.

فهل من يقرع جرس الإنذار قبل أن يتحوّل السرطان إلى جائحة صامتة؟

 

عام 2023، سجلت منطقة النبطية، بحسب إحصائية مركز السرطان في مستشفى نبيه بري الجامعي، أكثر من 1000 إصابة سنويًا، وهذا الرقم يتزايد شهرًا بعد آخر، وفق الدكتورة دبوق، التي تُعيد الأمر إلى جملة أسباب، من بينها:

– التلوّث البيئي الناتج عن النفايات وحرقها.

– التدخين، حيث يسجل الجنوب أعلى كثافة تدخين.

– الاستخدام المفرط للمبيدات الزراعية.

– آثار الحروب خلال العامين المنصرمين، حيث جرى استخدام القنابل المشعّة والمواد السامة التي تعرّضت لها البلدات.

كلّها عوامل أسهمت في ارتفاع أعداد الإصابات بمرض السرطان.

ترافق ارتفاع أعداد الإصابات مع ارتفاع كلفة العلاج، بحيث بات من الصعب على كثير من المصابين تلقي العلاج. فكلفة الجلسة الواحدة لمصاب مسجّل في الضمان الاجتماعي تصل إلى 25 مليون ليرة أسبوعيًا، أي ما يقارب 100 مليون ليرة شهريًا، وهي كلفة باهظة على مواطن لا يتجاوز راتبه الشهري 350 دولارًا.

هذا عدا عن تخلّي شركات التأمين، وحتى وزارة الصحة سابقًا، عن دورها في دعم المريض. وإن كانت الأوضاع بدأت تنفرج حاليًا من جانب وزارة الصحة التي تغطي كلفة العلاج الكيميائي، لكن ماذا عن الدواء، الذي يُباع في كثير من الأحيان بأسعار خيالية؟

لا تُخفي إيمان، التي تضطر أسبوعيًا لدفع كلفة علاج ابنها المصاب بالسرطان أكثر من 30 مليون ليرة، كونها لا تملك تأمينًا، أن وزارة الصحة تغطي فقط علاج المستشفى، أما الدواء فدائمًا غير متوفر أو على الانتظار، فيما يتحكّم تجّار السوق السوداء بالسعر… كما بالمرض.

يومًا بعد آخر، تكبر معاناة مرضى السرطان الذين يدفعون ضريبة الفقر، وغياب الوعي، والكشف المبكر، وكلفة العلاج الباهظة.

فاطمة واحدة من هؤلاء، أُصيبت بمرض السرطان في المعدة، وتجد صعوبة في توفير كلفة علاجها الأسبوعي، والتي تبلغ 300 دولار، في حين أن وضعها المادي تحت الصفر. وغالبًا ما تضطر للبحث عن متبرّع لتغطية كلفة العلاج، الذي قد يتأخّر أحيانًا أسبوعًا أو أسبوعين.

هذا الواقع المرير لا تُخفيه الدكتورة هيفاء دبوق، التي ترى أن من جملة “الأسباب التي دفعت إلى تسجيل الرقم المرتفع في الإصابات هو الواقع المادي للناس وعدم إجراء الفحوصات. فأغلب الناس لم يعودوا قادرين على تلقي العلاج، حيث تخلّت كل الجهات الضامنة عنهم حتى عام 2024، وهذا انعكس على مستشفى نبيه بري الجامعي، الذي تحوّل إلى ملجأ للمرضى الأقل قدرة ماديًا”.

وتقول دبوق: “الأعداد هائلة، بالآلاف سنويًا. فالكلفة الاقتصادية المرتفعة للعلاج، إضافة إلى ضعف برامج التوعية والكشف المبكر عن المرض، كلها عوامل وضعتنا في عين عاصفة المرض. نحن اليوم أمام أرقام قاسية جدًا، معظمها إصابات متقدّمة، نتيجة الكلفة المرتفعة للعلاج”.

وتُضيف: “غير أننا اليوم بدأنا نشهد انفراجات، أقلّه في ما يتعلّق بتوزيع الدواء من قبل وزارة الصحة، ما يقطع الطريق على تجّار الدواء في السوق السوداء”.

ومؤخرًا، أطلقت وزارة الصحة برنامج “أمان” لتقصّي أعداد الإصابات بالسرطان، وهذا من شأنه أن يُمكّن الوزارة من بناء قاعدة بيانات تمدّها بالأعداد الدقيقة حول الإصابات، لأنه، وفق دبوق، “لا توجد قاعدة بيانات دقيقة ومحدّثة”.

وحده شهر تشرين الأول، يذكّر الناس بضرورة الكشف المبكر عن سرطان الثدي، وبعده تختفي حملات التوعية، التي تغيب عن باقي أنواع السرطانات. وبحسب دبوق، “الجنوب يواجه ضعفًا كبيرًا في التوعية، إضافة إلى نقص كبير في الكوادر التمريضية التي هاجرت بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، فضلًا عن عدم توفر عيادات الدعم النفسي التي تقف إلى جانب المريض وأهله في ظروف المرض”.

مرض السرطان يتوسّع، يتمدّد، وينتشر بسرعة البرق. فالمكبّات العشوائية للنفايات، وحرق النفايات المستمرّ، ودخان المولّدات، والتدخين، وأضيفت إليها الحرب، جعلت من السرطان خطرًا يُهدّد حياة الناس.

فهل تتحرّك وزارة الصحة لفتح باب الدعم الكامل للعلاج المجاني، أم تُبقي مزاريب السوق السوداء مشرّعة… والمرض في تزايد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!