لبنان … حيثُ صارت الحياةُ معركةَ كرامة … لا مجرّد محاولة نجاة… بقلم زياد أنور الخليل

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم /

في لبنان، لم تعد الحياة تُقاس بفرصٍ تُمنح أو بأحلام تُبنى، بل بمقدار ما يمكن للناس تحمّله دون أن ينهاروا. تحوّلت المواطَنة من شراكة في وطن، إلى معاناة يومية مملوءة بالتكيّف مع الانهيار، والنجاة من تداعياته بأقل خسائر ممكنة.
منذ عقود، واللبنانيون يرزحون تحت ثقل أزمات متداخلة: مالية واقتصادية، كهربائية ومائية، معيشية وصحيّة، وأهمّها أزمة ثقة شاملة بالدولة ومؤسساتها. الأجور تنهار، الأسعار ترتفع بلا ضوابط، الخدمات الأساسية غائبة، والسلطة تمارس الإنكار أو تنشغل بالمحاصصة وكأن البلاد في أحسن أحوالها. القطاع المصرفي انهار، واحتياطي #مصرف_لبنان استُنزف في دعمٍ عشوائيٍّ تحوّل بمعظمه إلى تهريبٍ منظّم عبر الحدود، وتمويل لتضخّمٍ زبائني في القطاع العام، بينما سُوّق زورًا “لهندسات مالية” كانت هلوسات اكثر ما هي هندسات اطاحت في النهاية بالجميع.
ولأن المأساة لا تكتمل إلا حين تُفرَض على الناس باسم “الممانعة” أو “الكرامة”، جاءت الحروب العبثيّة الأخيرة في المنطقة وانخراط لبنان رغماً عنه في الدفاع عن مصالح إيران لتزيد من وجع اللبنانيين، وتُحمّلهم أكلافًا أمنية واقتصادية ومعنوية لا طاقة لهم بها، في وقت بالكاد يجد المواطن ما يسدّ به رمق أطفاله.
صواريخ أُطلِقت، وغارات رُدّت، وتهجير قسري، ودمار لا يوصف، وكل ذلك في خدمة مفاوضات إيران النووية ولبنان يُستنزف مرةً بعد مرة، من دون قرار سيادي، ومن دون محاسبة، ومن دون أفق سوى الغرق الأعمق في مستنقع الانهيار.
“ويلٌ للمغرور… يدخل الحرب وهو لا يدري أنها قد تُطحن فيها الأرواح.” (ع)
كل هذه الحروب، وكان قد سبقها انفجار #مرفأ_بيروت في 4 آب 2020، ليكون الدليل القاطع على مستوى الإهمال، الاستهتار، واللامبالاة بحياة الناس. مدينة نُسفت من قلبها… ولا مسؤول واحد يُحاسب، بل على العكس: عرقلة للتحقيق، وتهديد متلفز للمحقق العدلي، وتواطؤ فاضح لإخفاء الحقيقة. فكيف يُبنى وطنٌ على رماد العدل؟ وكيف يثق الناس بدولةٍ تدفن الحقيقة في الأدراج السياسية؟
“السكوت على الظلم شِرْكٌ بالخيانة.” (ع)
وسط هذا السواد، أطلّ خطاب القسم الذي أطلقه الرئيس #جوزاف_عون، بلهجة صريحة ومسؤولة. خطاب لم يختبئ خلف شعارات جوفاء، بل وضع أصبعه على الجرح، وحدّد عناوين واضحة: السيادة، حصر السلاح بيد #الجيش_اللبناني، الإصلاح، المحاسبة، والتوازن الوطني. هذا الخطاب، إذا شَكّل مقدّمة لتبدّل فعلي في السلوك السياسي والمؤسسي، يمكن أن يكون نقطة تحوّل، وخارطة طريق للخلاص.
وبين الإحباط المتراكم واليأس الزاحف، مازلنا نمنح الرئيس ثقة العاقل لا ثقة المُغيّب — ثقة مُفعمة بالجرأة على الفعل، وبالصدق مع الناس، وبالقدرة على فتح الأبواب المغلقة منذ عقود.
في مواجهة هذا الواقع، يبقى السؤال: متى سينهض لبنان؟
كم من الوقت سُرق من أعمار الناس وهم ينتظرون “حلًّا” لا يأتي؟
كم من الكفاءات هاجرت؟ كم من الأحلام أُطفئت؟ كم من الأسر تفكّكت تحت وطأة الحاجة والخوف؟
#اللبناني لا يريد معجزة، بل عدالة.
لا يطلب امتيازات، بل حقوقًا.
لا يبحث عن وطنٍ بديل، بل عن دولة حقيقية في وطنه.
لقد آن الأوان للقول بوضوح:
العيش بلا كرامة موتٌ مؤجَّل،
والسكوت على هذا الواقع خيانة للحق،
وعلى الحروب التي تُشنّ باسمنا، وعلى جريمة المرفأ التي طُمِسَت معالمها،
وعلى خطابٍ واعد إن لم يُترجَم إلى أفعال…
جريمة مستمرة.
“أشدُّ الجهاد قولُ الحقّ عند سلطانٍ جائر.” (ع)
زياد أنور الخليل 🇱🇧



