المفتي حسن إسماعيل دلي حكمة الدين في زمن الانقسام

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم /
ليست دار الإفتاء جدرانًا تُشيَّد ولا منصبًا يُشغَل بل هي ضميرُ المكان وميزانُ الكلمة وملاذُ الناس وحين تختلط الأصوات وتضيع البوصلة تصبح دار الإفتاء أكثر من مرجعية دينية بل تصبح حارسة للعيش المشترك وذاكرة للعدل وسقفًا جامعًا لا ينحني لرياح الانقسام من هنا في حاصبيا ومرجعيون تشرق شمس الإنسانية بمعناها الحقيقي ليكون حضور المفتي الشيخ حسن إسماعيل دلي حضورَ موقعٍ فحسب بل حضورَ المعنى معنى العالِم الذي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت ومتى تتحول الكلمة إلى مسؤولية وطنية
هو رجلٌ حمل الفقه بعقل الدولة والدين بروح الإنسان فصار صوته امتدادًا لرسالة دار الإفتاء حين تكون في أعلى تجلياتها وعقلًا راشدًا في زمن التشنج وحكمةً ثابتة في زمن الارتباك
ويبقى المفتي حسن إسماعيل دلي صوت الحكمة في تخوم الوطن في مناطقنا الحدودية حيث تختلط الجغرافيا بالقلق ويصبح الإنسان أكثر حاجة إلى الكلمة العاقلة من أي وقت مضى
يطل علينا المفتي الشيخ حسن إسماعيل دلي بوصفه نموذجًا لرجل الدين الذي تجاوز الوظيفة إلى الرسالة وجمع بين عمق المعرفة واتزان الموقف وصدق الانحياز للإنسان يطل علينا قامة عربية دينية اجتماعية لها كل الاحترام والتقدير
وُلد الشيخ حسن دلي عام 1957 في شبعا – قضاء حاصبيا في بيئة عرفت معنى الأرض ومعنى الصبر فشبّ مشدودًا إلى القيم الأولى الإيمان والعلم والمسؤولية الاجتماعية ومنذ خطواته التعليمية الأولى في مدرسة المقاصد في شبعا مرورًا بثانوية أزهر لبنان في بيروت وصولًا إلى تحصيله الأكاديمي العالي في الشريعة الإسلامية من جامعة الملك عبد العزيز ثم نيله درجة الماجستير من المعهد العالي للدراسات الإسلامية تشكّلت شخصيته العلمية على قاعدة متينة تجمع النص بالواقع
والفقه
وفي مسيرة قطار الحياة حمل بيمناه مطرقة العدل وبيسراه قرطاس العلم حيث عمل مدرسًا وناظرًا عامًا في أزهر لبنان لما يقارب عقدين قبل أن ينتقل إلى موقع القضاء الشرعي حيث عُيّن قاضيًا شرعيًا في المحاكم الشرعية السنية فكان للقضاء عنده وجهه الإنساني
( عدلٌ يُنصف وحكمةٌ تُصلح وميزانٌ لا يميل إلا للحق)
ومع عضويته في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى منذ عام 2005 تعزّز حضوره الوطني والمؤسساتي فكان صوته هادئًا في زمن الضجيج ورأيه موزونًا في زمن الانقسام
عام 2007 كُلّف الشيخ حسن دلي بمهمة مفتي حاصبيا ومرجعيون
لم يتعامل مع التكليف كموقع نفوذ بل كحاجة مجتمعية ملحّة ومنذ اللحظة الأولى عمل على أعاد الاعتبار لدور دار الفتوى في المنطقة وأسّس لها مقرًا جامعًا يضم دائرة الأوقاف وصندوق الزكاة وصار لدار الإفتاء إدارة شأن عام لا منبر وعظ فقط وفي عام 2022 سُجّل له إنجاز تاريخي بانتخابه أول مفتٍ منتخب في تاريخ المنطقة وفق أنظمة دار الفتوى ما شكّل محطة مفصلية في تكريس الشراكة والشرعية والتمثيل الحقيقي أما في العيش المشترك فكان هو الموقف لا الشعار وفي ظل هذا التنوع الطائفي في حاصبيا ومرجعيون حيث مارس المفتي دلي العيش المشترك كخيار وجودي يأتي خطابه الديني جامعًا يُشدّد على القيم الإنسانية المشتركة وعلى حماية النسيج الاجتماعي من الفتن والانقسامات
فتح أبواب دار الفتوى أمام الجميع واستقبل وفودًا دينية وسياسية واجتماعية مؤمنًا بأن الحوار هو خط الدفاع الأول عن الاستقرار وفي مواقفه الوطنية كان واضحًا في دعمه للجيش اللبناني كمؤسسة جامعة وفي نقده الصريح لغياب التنمية والخدمات عن المناطق الحدودية من دون مزايدة أو توظيف سياسي كان صوت الحق
لقد اعتدنا على بلاغته الهادئة وحكمته المقنعة فتميّز المفتي حسن دلي ببلاغة غير صاخبة تستند إلى قوة المعنى لا حدة النبرة وتترامى كلماته في المناسبات الدينية والوطنية على مسامع الحاضرين مسارات تحمل بعدًا تربويًا وإنسانيًا وتخاطب العقل بقدر ما تلامس الوجدان وهو إلى جانب ذلك كاتب متابع للشأن الإسلامي والفكري في عدد من الصحف ودور النشر ما أضفى على خطابه بعدًا ثقافيًا متقدمًا وفي زمن تتآكل فيه الأطراف يطلق المفتي دلي دعوته الواضحة لحماية المنطقة بحماية إنسانها وصون العيش المشترك وربط الدين بالقيم الوطنيةلا بالصراعات وهو يرى أن حاصبيا ومرجعيون ليستا هامشًا على الخريطة بل قلبًا نابضًا بتاريخ طويل من التلاقي والإنماء والاهتمام
إنه شخصية دينية أدركت أن الحكمة ليست في الانحياز الأعمى بل في جمع المختلفين حول المشترك وأن البلاغة الحقيقية هي تلك التي تُخفف الألم وتزرع الأمل وتُعيد الاعتبار للإنسان حيثما كان
وتبقى دعوة المفتي حسن إسماعيل دلي نداء بقاء فيقول
احفظوا عيشكم المشترك كما تحفظون بيوتكم وصونوا وحدتكم كما تصونون أبناءكم ولا تسمحوا لأحد أن يحوّل تنوّعكم إلى ساحة صراع أو أرضكم إلى هامش منسي
هذه المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بل إلى وعيٍ يحميها وإلى تلاقٍ يثبتها وإلى رجال ونساء يدركون أن الكرامة تُصان معًا أو تُهدر معًا
فكونوا كما كنتم دائمًا أقوى من الانقسام وأصدق من التحريض وأبقى من كل العابرين
عطاالله دعيبس – اتجهات دولية



