إسرائيل تلوّح بتغيير خريطة الجنوب… هل اقترب التصعيد؟

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
لم تعد المسألة في جنوب لبنان محصورة بحجم الضربات الإسرائيلية أو احتمالات تجدّد المواجهة مع “حزب الله”، بل باتت تتصل بسؤال أكثر خطورة: هل تسعى إسرائيل إلى تحويل سيطرتها العسكرية الحالية إلى واقع جغرافي دائم، واستخدام أي تصعيد إقليمي ذريعة لتوسيعه؟
هذا السؤال تفرضه التهديدات التي أطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أمس الأربعاء، لكن أهميتها لا تكمن في مضمونها العسكري وحده، بل في توقيتها وربطها المباشر باحتمال اندلاع مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول.
فكاتس لم يكتفِ بالتهديد بتوجيه ضربات إلى “حزب الله”، بل تحدث صراحة عن السيطرة على مناطق إضافية في محيط النبطية والليطاني وإلحاقها بما وصفه بـ”المنطقة الأمنية الدائمة”، فضلاً عن التلويح بإخلاء الضاحية الجنوبية ودفع أعداد كبيرة من السكان إلى النزوح.
وبعيداً عن إعادة سرد هذه التهديدات، تكمن المسألة الأساسية في التحول الذي تعكسه المقاربة الإسرائيلية: فبدلاً من التعامل مع السيطرة على الأراضي اللبنانية باعتبارها إجراءً عسكرياً مرتبطاً بالحرب، بات الخطاب الإسرائيلي يتحدث عنها بوصفها ترتيبات أمنية طويلة الأمد، قابلة للتوسع تبعاً للتطورات الإقليمية.
وهنا تبرز دلالة الربط بين لبنان وإيران. فإسرائيل تضع سيناريو عسكرياً يتجاوز حدود الرد على هجوم محتمل، إذ يتيح لها، وفق تهديدات كاتس، توسيع نطاق انتشارها داخل الأراضي اللبنانية وإعادة رسم خطوط السيطرة على الأرض.
وتزداد حساسية هذه التطورات في ضوء الجدل المتصاعد حول مستقبل القوة الدولية العاملة في الجنوب، “اليونيفيل”، والترتيبات المطروحة للمرحلة المقبلة. فاحتمال تراجع الحضور الدولي، في مقابل تمسك إسرائيل بمناطق انتشارها، يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍّ يتعلق بقدرتها على تثبيت الحدود ومنع تكريس وقائع عسكرية جديدة.
وفي موازاة البعد العسكري، لا يمكن فصل تصريحات كاتس عن المناخ السياسي الداخلي في إسرائيل. فقد أشارت تغطيات صحافية إسرائيلية إلى تصاعد الخطاب الأمني قبيل الانتخابات، ما يفتح احتمال توظيف التهديدات في المعركة السياسية الداخلية. لكن ذلك لا يلغي خطورتها، ولا يسمح في المقابل باعتبارها إعلاناً عن حرب حتمية.
أما لبنان، فيواجه معادلة شديدة التعقيد: فكلما اتسعت رقعة التوتر بين طهران وتل أبيب، ارتفع خطر انتقال المواجهة إلى أراضيه، فيما يبقى مصير المناطق الجنوبية التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية مرتبطاً بالتطورات العسكرية والمساعي الدبلوماسية.
والأخطر أن التهديدات لم تعد تتناول مواقع عسكرية أو بنى تحتية فحسب، بل تشمل مناطق سكنية واسعة وموجات نزوح محتملة، ما يضيف إلى المخاطر الأمنية تداعيات إنسانية واقتصادية يصعب على لبنان تحمّلها.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس ما إذا كان كاتس قد أطلق تهديداً جديداً، بل ما إذا كانت إسرائيل تعمل على تثبيت مفهوم جديد للمنطقة الأمنية، تصبح فيه الأراضي اللبنانية الخاضعة لسيطرتها نقطة انطلاق لأي مواجهة مقبلة، بدلاً من أن تكون مناطق يفترض الانسحاب منها.
وبين التهديد السياسي والاستعداد العسكري الفعلي، تبقى مسافة لا يمكن حسمها بالتصريحات وحدها. لكن ما يستدعي الانتباه هو أن الحديث الإسرائيلي عن توسيع السيطرة يتزامن مع مرحلة دقيقة من إعادة ترتيب المشهد الأمني في الجنوب.
فهل يبقى كلام كاتس في إطار الضغط والردع، أم يتحول أي اشتباك إقليمي جديد إلى فرصة لإسرائيل لفرض خريطة مختلفة على الأرض اللبنانية؟



