بقلم زياد ضاهر: هرمز وباب المندب: أوراق قوة أم صيدٌ مسموم؟

صدى وادي التيم – أمن و قضاء/
لم تعُد المواجهة مع إيران محصورة بأطراف الحرب المباشرين، فمع اتّساع رقعة الصراع، بدأت كلفتُه تمتدّ إلى دولٍ لم تختر الدخول فيه، وإلى ممرّات حيوية يتوقّف عليها جزء أساسي من الاقتصاد العالمي.
ومن الخليج إلى البحر الأحمر، بات السؤال يتجاوز من يقاتل من، إلى سؤال أكثر خطورة، من يدفع كلفة هذه الحرب، وإلى أيّ حد يمكن نقلها إلى الجوار والعالم قبل أن تنقلب أدوات الضغط على من يستخدمها؟
نقل كلفة الحرب إلى الخليج
إيران تقصف علناً القواعد الأميركية في الخليج، مفترضةً أن لها الحق في هذه الاستهدافات، خلافاً للمواثيق والأعراف الدولية. أمّا الأهداف التي قد يشكّل استهدافها إدانة مباشرة لها، فتُنفَّذ الهجمات عليها عبر قوىً حليفة أو جهات تعمل من خارج الأراضي الإيرانية، كما في الهجوم على خطّ النفط السعودي “شرق–غرب”، الذي يمثّل منفذاً برّياً استراتيجياً بديلاً عن مضيق هرمز. كذلكَ الأمر بالنسبة إلى استهداف مكّة المكرّمة أو محاولات الاعتداء عليها، حيث نُفِّذت تلك العمليات عبر الحوثيين أو جهاتٍ مرتبطةٍ بمحور إيران، لا بواسطة القوات الإيرانية مباشرةً.
أما التطور الأكبر في اليمن، فتمثّل في الدور الذي أدّاه الحوثيون، حلفاء إيران، في تهديد الملاحة عبر مضيق باب المندب، وما رافق ذلكَ من مواقف تتعلق بهوية السفن التي يمكن استهدافها أو السماح لها بالعبور إذ أبلغ الحوثيون الأميركيين، وفق ما أُعلن، أن السفن الأميركية والإسرائيلية لن تكون مستهدفة، فيما ستكون السفن السعودية عرضة للاستهداف.
إذن، قد تحاول إيران تجنّب تحمّل المسؤولية المباشرة عن بعض العمليات الأكثر إحراجاً لها دولياً، لكن المشهد الإقليمي بات يشير بوضوح إلى مواجهة إيران الحرب عليها عبر نقل جزء من كلفتها إلى جيرانها، ولا سيّما دول الخليج، واستخدام أمن الطاقة والممرّات البحرية أداة للضغط على العالم.
النفط، في هذه المعادلة، يتحوّل إلى سلاح سياسي واقتصادي. وهو، وإن كان سلعة عالمية تؤثّر أسعارها وإمداداتها في الاقتصاد الدولي، فإن الجزء الأكبر من النفط المستهدف في هذه المعادلة هو ثروة خليجية عربية. وهنا تكمن المفارقة فالحرب المفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، باتت تهدّد بتحويل دول الخليج ونفطها وممرات تصديره إلى رهينة في صراع لم تختَره.
وكأن الرسالة الإيرانية إلى العالم باتت تقول إن أردتم حماية تدفّق الطاقة واستقرار أسواقها، فعليكم أن تدفعوا ثمن ذلك سياسياً، عبر تخفيف الضغط على طهران، وحماية النظام الإيراني، وإعادة فتح أبواب التسوية حول البرنامج النووي ومستقبل المواجهة الإقليمية. بهذا المعنى، لا يعود النفط مجرّد سلعة استراتيجية، بل يتحوّل إلى رهينة يُراد للعالم أن يدفع ثمن تحريرها.
ولم يعد الضرر محصوراً بالمصالح الخليجية؛ فاضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ينعكس أيضاً على المصالح المصرية وعلى قناة السويس، التي تشكّل أحد المرافق الاستراتيجية للأمن القومي والاقتصاد المصري، مثلما يشكّل أمن إنتاج النفط وتصديره ركناً أساسياً في الأمن القومي لدول الخليج.
حصار الخليج من الجنوب والشمال
يبدو الخليج اليوم أمام ضغطٍ جيوسياسي من أكثر من اتجاه: مضيق هرمز شرقاً، وباب المندب والبحر الأحمر جنوباً وغرباً، وخطوط نقل النفط البرية التي يمكن استهدافها من الأراضي العراقية. ويُضاف إلى ذلك التوسّع العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان وجنوب سوريا، بما يثير تساؤلات حول مستقبل مشاريع الربط البري والطاقة بين الخليج وتركيا وشرق المتوسط، وحول إمكان قيام ممرّات استراتيجية بديلة تستطيع تقليل الاعتماد على المضائق البحرية المهدَّدة.
وهكذا، لا يعود المشهد مقتصراً على مواجهة إيرانية–أميركية أو إيرانية–إسرائيلية، بل يمتدّ ليطال شبكة المصالح الاستراتيجية العربية نفسها: النفط الخليجي، وخطوط نقله، والبحر الأحمر، وقناة السويس، ومشاريع الربط المستقبلية باتجاه تركيا وشرق المتوسط. هذه الضغوط قد تضع دول الخليج أمام معادلةٍ شديدة الخطورة، إما البحث عن تفاهمات مع إيران تحدّ من التهديدات الآتية من جانبها وحلفائها، وإما توسيع التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، وربما إسرائيل، لموازنة النفوذ الإيراني.
وفي الاحتمال الأول، تستطيع طهران توظيف الضغط الإقليمي، وأي إقبال خليجي على التفاهم معها، لتحسين موقعها في أي مفاوضات مقبلة مع الولايات المتحدة حول مستقبل النظام الإيراني، والبرنامج النووي، والترتيبات الأمنية الإقليمية. وقد تصبح الدول الخليجية، من حيث لا تريد، جزءاً من أوراق التفاوض التي تستخدمها إيران في مواجهة واشنطن.
أما الاحتمال الثاني؛ أي دفع دول الخليج نحو مزيد من التعاون الأمني مع إسرائيل لمواجهة إيران، فيحمل مفارقة استراتيجية بالنسبة إلى طهران؛ إذ إن سياساتها قد تؤدّي عملياً إلى النتيجة التي تقول إنها تعمل على منعها: توسيع التقارب الأمني العربي–الإسرائيلي.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً، فإذا دفعت التهديدات الإيرانية دول الخليج إلى البحث عن حماية إسرائيلية أو إلى توسيع تعاونها الأمني معها، تكون طهران قد ساهمت بنفسها في تعزيز الحضور الإسرائيلي في البيئة الاستراتيجية العربية التي تقول إنها تواجه إسرائيل دفاعاً عنها.
وقد يرى البعض في توسّع نفوذ الحوثيين وقدرتهم على التأثير في الملاحة عبر باب المندب دليلاً على تنامي قوّة إيران الإقليمية. لكن هناك قراءة أخرى لتطور الأحداث: أن تكون هذه الخطوة تعبيراً عن تضييق الخيارات الإيرانية، ومحاولة لنقل كلفة الحرب إلى الاقتصاد العالمي بعدما أصبحت إيران نفسها تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير. فالسيطرة، أو القدرة على التعطيل، في مضيقين أساسيين من مضائق التجارة والطاقة العالمية قد تبدو ورقةَ قوة، لكنها قد تتحول إلى صي مسموم.
هرمز وباب المندب لا يخصّان دول المنطقة وحدها؛ إنهما شريانان يؤثّران في اقتصادات العالم، وفي أسعار الطاقة، والتضخم، وكلفة النقل والتأمين، وأسعار المحروقات، والمالية العامة للدول. وكلّما اتسعت دائرة الضرر، اتسعت معها دائرة الدول التي ترى مصالحها مهدَّدة بصورة مباشرة.
عندما تتحول القوّة إلى سببٍ للعزلة
السلوك الإيراني ربما يقود إلى انقلاب السحر على الساحر؛ فبدلاً من أن يؤدّي تدويل كلفة الحرب إلى الضغط على خصوم إيران لوقفها، قد يقود إلى نتيجةٍ معاكسة تماماً، تتمثّل باتساع دائرة الدول المطالبة بحماية حرية الملاحة وأمن الطاقة، وربما اتخاذ إجراءات جماعية أشدّ ضد طهران إذا عُدّت أفعالها تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
وقد تتدرّج هذه الإجراءات من الضغوط السياسية والاقتصادية إلى إجراءات أمنية وعسكرية جماعية، وفقاً للظروف والأسس القانونية التي تحكم أيّ تدخّل من هذا النوع. والتاريخ يقدّم أمثلة قاسية على خطورة الخلط بين امتلاك القوة والقدرة على التحكم بنتائج استخدامها.
وصل أودولف هتلر إلى السلطة في ألمانيا عبر مسارٍ سياسي ودستوري، ثم رسّخ نظاماً ديكتاتورياً وألغى عملياً التعددية السياسية، وتمتّع خلال مراحل من حكمه بتأييد شعبي واسع. لكن سياساته التوسّعية والعنصرية، والحرب التي أشعلها في أوروبا، أدت في النهاية إلى تشكيل تحالف دولي واسع ضده، وانتهت بتدمير ألمانيا وسقوط مشروعه الإمبراطوري، وتحويل النازية إلى أحد أكثر النماذج السياسية نبذاً في التاريخ الحديث.
ولا تصح المساواة تاريخياً أو عسكرياً بين ألمانيا النازية وإيران اليوم؛ فالفوارق بين الحالتين هائلة. لكن الدرس الذي يمكن استحضاره لا يتعلق بحجم الدولتين ولا بطبيعة النظامين، بل بقاعدة أوسع في العلاقات الدولية: الدولة التي توسّع دائرة صراعها إلى الحد الذي تجعل فيه مصالح عدد متزايد من الدول والشعوب مهدَّدة، قد تنجح تكتيكياً في رفع كلفة مواجهتها، لكنها تخاطر استراتيجياً بتوسيع جبهة خصومها.
عندما يصبح الضرر عالمياً، تصبح المطالبة بحماية حرية الملاحة وأمن الطاقة مصلحة دولية، لا موقفاً سياسياً مؤيداً لهذا الطرف أو ذاك. حجم الضرر الناتج عن السياسات والسلوك الإيرانيَّين أكبر من أن يُختزل في أفعال تنظيم مسلّح، لكن إيران أصغر من أن تفرض إرادتها على النظام الدولي بأسره. ولذلك، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمن يسيطر على مضيق هرمز أو باب المندب، بل بمَن يتحمل مسؤولية حماية تدفق الطاقة، وحرية الملاحة، والسلم والأمن الدوليين.
فحين يتحول النفط إلى رهينة، والمضائق إلى أوراق ضغط، ودول الجوار إلى ساحات لتصفية الحسابات، لا تبقى الحرب حربَ إيران وحدها، بل تبدأ كلفتها بالانتقال إلى العالم كلّه.
وفي الجغرافيا السياسية، قد تكون القدرة على تعطيل المضائق ورقة قوة، لكن الإفراط في استخدامها قد يحولها إلى نقطة ضعف، وقد يجعل من سلاح الضغط سبباً في توحيد المتضررين ضد من يستخدمه.
المدن – د. زياد ضاهر




