اغتيال الصحافية آمال خليل في جنوب لبنان: “كانوا يريدون قتلها”

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
تحرير: زهرة القدسي من مختبر نوى ميديا وغيدة فرنجية ولمياء الساحلي من المفكرة القانونية
في 22 نيسان/أبريل 2026، قُتلت الصحافية في جريدة الأخبار آمال خليل وأُصيبت المصوّرة زينب فرج في هجوم إسرائيلي في بلدة الطيري، جنوب لبنان، بعد خمسة أيّام من إعلان الإدارة الأميركيّة هدنة مؤقّتة بين لبنان وإسرائيل. الجيشُ الإسرائيليُّ صرّح عن استهدافه “مُخرِّبين” وأصرَّ أنّه لا يستهدف صحافيّين. فما الذي حصل في ذلك اليوم؟ هل كانت آمال ضحيّة جانبيّة لأعمال عسكريّة أم أنّها استُهدِفت وقُتلت عمدًا؟
حقّقنا في الحادثة بناءً على شهادة زينب فرج وشهادات أخرى قاطعناها مع صور وفيديوهات وسجلّات اتّصالات. أعدنا بناء أحداث 12 ساعة من ذلك اليوم، منذ أن بدأت آمال تغطيتها الصحافيّة في جنوب لبنان حتّى انتشال جثمانها من تحت ركام مبنى في الطيري. ووجدنا أدلة كافية تؤشر إلى قتل الجيش الإسرائيلي آمال عمدًا مع علمه بصفتها المدنية والصحافية. وهذا ما حملنا إلى توصيف مقتلها بعملية اغتيال وجريمة حرب تستوجب التحقيق تمهيدًا للمحاسبة.
أنتجت “المفكّرة القانونية” هذا التحقيق في إطار توثيق جرائم الحرب الإسرائيلية المحتملة على الأراضي اللبنانية وبالشراكة مع اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان. ويأتي في إطار الجهود الرامية إلى كشف الحقائق وتفنيد المعلومات المضلّلة والادّعاءات التي ترافق الجرائم الإسرائيلية في لبنان، وانطلاقًا من اهتمام “المفكرة” بإنتاج ونشر محتوى مهني ومتخصّص يُسهم في توثيق هذه الانتهاكات وإتاحة المعلومات حولها للرأي العام.
اعتمد التحقيق على تحليل المصادر المفتوحة، وشهادات مباشرة ومواد بصرية خاصّة تشمل صورًا ومقاطع فيديو غير منشورة سابقًا جُمعت خصيصًا لأغراض هذا التحقيق. وقد أُنجز العمل تحت إشراف مختبر نوى ميديا، مستفيدًا من خبراته وموارده في تحليل المواد الرقمية والبصرية والتحقق منها.
وجد التحقيق أنّ مقتل آمال لم يأت كضرر جانبي لعمل عسكري منفرد أو لأعمال عسكرية متسارعة، بل جاء نتيجة سلسلة من ثلاث هجمات متتابعة وقعت في غضون نحو ساعتين. وخلال تلك المدّة كان الجيش الإسرائيلي يراقب الأحداث الميدانية بشكل مستمّر عبر المسيّرات، وكان على علم بوجود صحافيتين في الموقع.
قُتلت آمال في غارة إسرائيلية جوية استهدفت مبنى مكوّنًا من ثلاث طبقات سوّته أرضًا في بلدة الطيري، قضاء بنت جبيل التجأت إليه مع زينب. ولم يكن وجودهما في المبنى خيارًا، بل جاء بعد تعرّض سيارتهما وسيارة أخرى مرافقة لهما لهجمتين متتاليين خلال تنقّلهما في مهمّة صحافية لتغطية تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي للقرى الجنوبيّة.
الهجمة الأولى حصلت عبر مسيّرة استهدفت السيارة المرافقة، ما أدى إلى مقتل مختار بنت جبيل علي بزي وشاب يرافقه يدعى محمد الحوراني. وبعد خروج آمال وزينب من سيارتهما، استهدفت الهجمة الثانية السيّارة مما دفعهما إلى الاحتماء داخل مبنى مجاور.
حصلت الهجمات الثلاث خلال ساعتين وترافقت مع محاصرة الجيش الإسرائيلي للصحافيّتين عبر المسيّرات، وعرقلته وصول فرق الإسعاف إلى موقع الهجوم رغم إبلاغه بطلب لإجلاء ضحايا من الصحافة. فقد أخّر الجيش الإسرائيلي منح الموافقة على الطلب لنحو ساعتين إلّا ربعٍ، واضطرّ فريق الإنقاذ للانسحاب من الموقع تحت التهديد وبعد إنقاذ زينب من تحت ركام المبنى. ولم يتمكن الفريق من إنقاذ آمال التي أثبت تقرير طبي أنّ قلبها توقّف بعد نحو ساعة من انسحابهم.
واضطّرت فرق الإسعاف للانتظار مجددًا لنحو ساعتين إلّا ثلث للحصول على الموافقة الإسرائيلية، قبل العودة إلى موقع الهجوم وانتشال جثمان آمال من تحت الركام. وقد عبَّرت شهادات عدد من المتابعين ميدانيًّا لأحداث ذلك اليوم عن انطباعهم بأنّ الجيش الإسرائيليّ “كان يريد قتل آمال”.
أقرّ الجيش الإسرائيلي في بيان أنّه هاجم إحدى السيارتين والمبنى. وبرّر هجومه بأنّ قوّاته رصدت “مركبتين خرجتا من مبنى عسكري يستخدمه حزب الله” مدّعيًا أنّ “مخرّبين” عبروا “نحو خط الدفاع الأمامي واقتربوا من القوّات بشكل يشكّل تهديدًا فوريًا لها”. كما ادّعى أنّه “لا يمنع وصول فرق الإنقاذ إلى المنطقة”، ولا “يستهدف الصحافيين بأي شكل من الأشكال”. ثم برّر لاحقًا بأنّه استهدف المرافقين بزي والحوراني.
يحاول هذا التحقيق إعادة بناء الجريمة وتبيان سياقها وتقييم الرواية الإسرائيلية وتفنيدها بالوقائع والأدلّة المتاحة. ويخلص إلى أنّ الأدلة المتوّفرة تشير إلى تعمّد قتل آمال من خلال استهداف الصحافيّتين وعرقلة إنقاذهما مع العلم بصفتهما المدنية والصحافية، مما يشكّل جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر شنّ الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية وإعاقة حركة فرق الإغاثة والقتل العمد للأشخاص المشمولين بحماية اتفاقيات جنيف.
ومع اغتيال آمال، فقد لبنان مراسلة ميدانيّة استثنائيّة يعرفها أهل الجنوب وتعرفهم جيّدًا، مراسلة دخلت قراهم وبيوتهم ونقلت قصصهم الجماعية والفردية، لتصبح جزءًا من نسيجهم الاجتماعي وذاكرتهم الحيّة. هذا ما جعل مقتلها جزءًا لا يتجزّأ من النهج الإسرائيلي لمحو الجنوب أرضًا وناسًا وبيوتًا وتراثًا. وتحوّلت آمال أيضًا إلى مصدر رئيسي لتوثيق أخبار الجنوب والانتهاكات الإسرائيلية ومرجع للصحافيين والباحثين والمتابعين لشؤونه، ما جعل اغتيالها أيضًا جزءًا من النهج الإسرائيلي في طمس الحقائق من خلال قتل الصحافيين الشهود على جرائمها.



