راشيا الفخار.. بين عبق التاريخ وأنين “الدولاب” الذي يخشى الصمت

الفخار ليس لديه عمر، هو حكاية الأرض التي لا نعرف بدايتها”.. بهذه الكلمات يختصر وسيم خليل، أحد آخر حراس مهنة الأجداد في بلدة راشيا الفخار، قصة حرفة تكاد تنطفئ شعلتها. في هذه البلدة التي اقترن اسمها باسم هذه الصناعة، لا تزال تربة الأرض، وحطب المواسم، ومهارة الأيادي تتحدث عن مجدٍ ولّى، يوم كانت البلدة تضج بـ 83 معملاً تنتج عشرات الآلاف من القطع التي دخلت كل بيت في المنطقة.
زمن “الطيبين” وشمس لا ترحم
يتذكر خليل بحنين أيام الستينات، حيث كانت الحرفة موسمًا صيفياً يبدأ التحضير له من شتاء قارص و يجتمعون في مكان يسمى الفخارية كانت العملية مرتبطة بالطبيعة ارتباطاً وثيقاً؛ فبدون الشمس، يتوقف العمل، وأي غيمة عابرة كانت كفيلة بإيقاف الإنتاج. كانت مهنة جماعية يشارك فيها الجميع، من استخراج الطين من أعماق الأرض بالمعول والحبل، وصولاً إلى أدق تفاصيل التلوين والخدمات التي كانت الركيزة الأساسية للصناعة.
جراح الاحتلال وتحديات التكنولوجيا
لم تكن طريق الحرفة مفروشة بالورد، ففي السبعينات، جاء الاحتلال الإسرائيلي ليزرع الدمار. هُدمت أفران الحطب، ونزح الأهالي، ومع العودة، لم تكن القدرة تسمح إلا ببناء أفران صغيرة عجزت عن احتضان “الأباريق الكبيرة” التي اشتهرت بها البلدة.
تغير الزمن، ودخلت التكنولوجيا بمعداتها وأفرانها الكهربائية، لكن الأزمات لم تترك الحرفة وشأنها. يقول خليل بمرارة: “منذ عام 2017، غابت الكهرباء، ونحن نعتمد اليوم على المولدات الخاصة، لكن كلفة المازوت أصبحت عبئاً يلتهم أرباح الإنتاج البسيط
شغف الدولاب”.. علاقة روحية لا تُفسر
عندما يجلس وسيم خليل خلف “الدولاب”، يتوقف الزمن. لا يشعر بالوقت، فالعلاقة مع الطين تتجاوز الصنعة إلى الشغف. يصف خليل هذه الحالة قائلاً: “حين أضع يدي على الطين، أقرر ما سأصنع. القطعة تخرج من أعماقي بكل تركيزي وتفكيري. العمل بما تحب يجعلك تنسى العالم وتفاصيل النهار
مستقبل الحرفة: خوف من الانقراض
رغم الدورات التدريبية التي أقيمت بدعم من جمعيات دولية ومحلية لإنقاذ الموروث و تم افتتاح تعاونية تعنى بالفخار يجد خليل نفسه أمام حقيقة مؤلمة: “تعلم هذه الحرفة يحتاج إلى سنوات طويلة، من عمر الخمس سنوات لتصبح محترفاً. أما الدورات القصيرة، فتعلم الهواية لا المهنة”. يضيف خليل: “أبنائي لم يتعلموا الحرفة بسبب الظروف القاسية، والجيل الجديد لا يرى في الفخار مستقبلاً في ظل بدائل الزجاج والبلاستيك التي أفقدت الفخار قيمته في نظر الكثيرين”.
نداء أخير
اليوم، تقف راشيا الفخار، بتاريخها العريق، أمام مفترق طرق. يرفع وسيم خليل صوته عالياً: “هذه الحرفة في خطر الانقراض. نأمل من الدولة والجمعيات المعنية التفاتة جادة، ليس فقط بالدعم المادي، بل بحماية هذا التراث من الاندثار قبل أن يغلق آخر دولاب فخار أبوابه في بلدتنا”.
سيبقى الفخار في راشيا شاهداً على حضارة طينٍ لم تبخل يوماً على أهلها، والسؤال يبقى: هل سنسمح لهذا التاريخ أن يصبح مجرد صور في متاحف، أم سنمد يد العون لمن يصارع للبقاء؟
بقلم: زينة عبد الحميد




