مركز حاصبيا-العرقوب للرعاية والتنمية: مسيرة تمكين وإرادة في وجه التحديات

صدى وادي التيم – أخبار وادي التيم /

في زوايا منطقة العرقوب وحاصبيا، حيث تتقاطع التحديات اليومية مع طموحات أبنائها، لم يكن مركز الرعاية والتنمية مجرد مؤسسة خدمية، بل صار “بيت الدفء” وملاذاً للأمل. منذ انطلاقته عام 2007، وضع المركز نصب عينيه هدفاً أسمى: تحويل فئة ذوي الاحتياجات الخاصة من مجرد متلقين للرعاية إلى أفراد فاعلين ومستقلين في مجتمعهم. من خلال هذه المقابلة، تأخذنا السيدة لينا أبو كرنيب في رحلةٍ عبر الزمن؛ تستعرض فيها كيف تحولت الدراسات الإحصائية إلى واقع ملموس، وكيف صمدت رسالة المركز أمام رياح الأزمات، لتثبت أن الإيمان بالإنسان هو الركيزة الأساسية لكل نجاح

انطلاقة من رحم الإحصاء والاحتياج

بدأ العمل بإنشاء مركز دار الأيتام الإسلامية في منطقة العرقوب وحاصبيا سنة 2007. وفي حزيران 2008، أجريت دراسة إحصائية دقيقة شملت قضائي حاصبيا ومرجعيون لتحديد احتياجات المجتمع، واستمرت هذه الدراسة حتى شهر تشرين الأول 2009. وبالاستناد إلى لوائح وزارة الشؤون الاجتماعية، افتتح المركز أبوابه في تشرين الأول بـ 3 أولاد، ليصل العدد بنهاية الشهر إلى 10 أشخاص، مع تركيز خاص على فئة ذوي الاحتياجات الخاصة التي كانت بحاجة ماسة للرعاية في المنطقة.

توسع الخدمات والتشبيك المجتمعي

لم يقتصر عمل المركز على الرعاية، بل امتد ليشمل أنشطة صيفية في ظل غياب من يقوم بهذا الدور. ومع حلول عام 2012، تم افتتاح حضانة للأطفال وللأم العاملة، وتوسعت الخدمات لتشمل نادي كبار السن والمتقاعدين، والتدريب الحرفي والمهني. وبفضل التشبيك مع “الشبكة العربية للمنظمات الأهلية” وجمعية “اهدَى”، تم افتتاح مشغلين للخياطة في حاصبيا وشبعا، بالإضافة إلى مشاغل للكمبيوتر، التجميل، الفخار، النول، واللغات الأجنبية (بما فيها الإسبانية بالتعاون مع قوات اليونيفيل). وتؤكد أبو كرنيب أن الدعم الأساسي والمستمر كان ثقة الأهالي الذين وضعوا أولادهم تحت رعاية المركز.

فلسفة العمل مع ذوي الاحتياجات الخاصة

تصف أبو كرنيب ذوي الاحتياجات الخاصة بأنهم “أصفياء” يتميزون بذاكرة دقيقة وحساسة. ينقسم نهج المركز إلى قسمين: تربوي وتأهيلي، وحرفي ومهني. كان الهدف الأساسي هو تعزيز الثقة بالنفس والاندماج المجتمعي، ومواجهة التنمر عبر جلسات العلاج الفيزيائي، النفسي، النطق، والحس الحركي.

ورغم استمرار المركز في عمله بعد عام 2019، إلا أن الأوضاع الصعبة في لبنان وتحديات التنقل أثرت على توافر العلاجات، مما دفع المركز للتشبيك مع فروع أخرى مثل فرع “جدرا” في الإقليم أو مجمع “النبراس” لضمان حصول الطلاب على العلاج المباشر. كما ركزت المشاغل على إكساب الأبناء مهارات تضمن استقلاليتهم المعيشية، حتى ولو كانت عبر أعمال صغيرة من داخل منازلهم.

الحرب والتحديات الرقمية

أشارت أبو كرنيب إلى أن الحرب في عام 2023 أثرت سلباً على الطلاب نتيجة الانقطاع عن بيئتهم الاجتماعية وعلاجاتهم، مما تسبب في تراجع قدراتهم. ومع ذلك، تم استخلاص نقاط إيجابية في الحرب الحالية عبر تفعيل التعليم “أونلاين”، حيث أرسل المركز فيديوهات تعليمية للأهالي، مما عزز من شعورهم بالمسؤولية التشاركية، وباتوا يرسلون تقارير عن تقدم أبنائهم. كما ساهمت هذه المرحلة في تدريب طاقم المركز على إنتاج محتوى رقمي تعليمي بجودة عالية.

وعن التبرعات، تؤكد أبو كرنيب: “لا آخذ بكمية المال، بل بعطاء المُقدم الذي تذكر المركز لو بقليل”.

قصص نجاح وتحديات

تفتخر المؤسسة بقصص نجاح أبنائها، مثل “لمى” التي تعلمت صناعة الخرز، و”أكرم” في الفخار، و”عماد” الذي رغم إعاقته الجسدية استطاع افتتاح عمله الخاص بمهنة النول، وإن كانت تستهجن مساومة الناس له على السعر. كما سعت المؤسسة لتطبيق مبدأ توظيف 3% من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تم توظيف “محمود” وتأهيله ليصبح فرداً منتجاً ومستقلاً مادياً، قبل أن تضطر الظروف الاقتصادية والحرب لإقالة عدد من العاملين، وكان من بينهم محمود.

المبادرات الميدانية ورسالة للمستقبل

بصفتها “وسيطاً محلياً”، أخذت السيدة لينا على عاتقها خلال الحرب الحالية تقديم المساعدة ليس فقط لأبناء المركز، بل لجميع ذوي الاحتياجات الخاصة في المنطقة المهمشين، وذلك بالتواصل مع جمعيات واتحاد بلديات العرقوب لتأمين المواد الغذائية والأدوية المزمنة.

وتختتم أبو كرنيب رسالتها قائلة: “أطلب من الناس أن يعتبروا ذوي الاحتياجات الخاصة جزءاً أصيلاً وموجوداً معنا. إنهم يزرعون الفرح والأمل في قلوبنا، ويجب علينا جميعاً احتضانهم، فكل واحد منهم له دور في المجتمع، وعدم الاهتمام بهم سيعود بالكارثة علينا جميعاً”.

لا تنتهي حكاية مركز حاصبيا-العرقوب عند حدود الإنجازات المهنية أو الحرفية، بل تمتد لتكون دعوة مفتوحة للمجتمع لإعادة النظر في نظرته لذوي الاحتياجات الخاصة. إن قصص “محمود” و”عماد” و”لمى” ليست مجرد تجارب فردية، بل هي برهان على أن القدرة تكمن في العين التي ترى الإمكانات لا الإعاقة. في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، يظل هذا المركز حارساً للكرامة الإنسانية، ومذكراً لنا جميعاً بأن جوهر بقائنا كأفراد ومجتمعات يكمن في مدى قدرتنا على احتضان “الأصفياء” الذين يمنحون حياتنا معنىً جديداً، ويزرعون في دروبنا الأمل الذي نحتاجه للاستمرار.

زينة عبد الحميد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!