العرقوب: حكاية صمودٍ مهدد بالحصار وفقدان الأرض

صدى وادي التيم – أخبار وادي التيم /،
بينما كانت منطقة العرقوب تشكل على مر العقود مساحةً خصبة للزراعة والعيش الكريم، تحولت اليوم إلى رمزٍ حي لمعاناة الصمود في وجه عدوانٍ لا يكتفي بالقصف، بل يزحف ليحاصر لقمة عيش الناس في أرضهم. في حوارٍ صريح ومباشر، يضع الدكتور قاسم القادري، رئيس اتحاد بلديات العرقوب ورئيس بلدية كفرشوبا، النقاط على الحروف، كاشفاً عن واقعٍ يتجاوز حدود الأزمة المعيشية ليصل إلى أزمة وجود وحصار جغرافية.
جحيم الحرب المتكرر
يصف القادري التجربة منذ أواخر عام 2023 وحتى اليوم بأنها “كارثية”، حيث تلاشت معالم الحياة الطبيعية تحت وقع التدمير. “عدنا بعد وقف إطلاق النار الأول بإمكانياتنا البسيطة، سعينا لفتح الطرقات وتأمين أدنى مقومات الحياة بمساعدة الجمعيات ومجلس الجنوب، لكنّ الحرب في آذار جاءت أعنف، ومع ذلك اتخذنا قرارنا بالبقاء في أرضنا”، هكذا يلخص القادري قرار الصمود الجماعي.
الحصار الصامت: فقدان الأرض والمراعي
لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لتقليص مساحات الحركة والعيش. يؤكد القادري أن “العدو وسع نطاق سيطرته، ولم تعد الأراضي التي كانت خالية من العمليات العسكرية آمنة”.
لقد فقد أهالي العرقوب جزءاً كبيراً من أراضيهم، خاصة في كفرشوبا التي باتت حوالي 90% من أراضيها خارج متناول أصحابها. انعكس هذا الحصار مباشرة على الثروة الحيوانية؛ فالرعاة الذين فقدوا مراعيهم اضطروا لبيع قطعانهم أو تحويل نمط تربيتها إلى داخل البيوت، معتمدين على الأعلاف المكلفة، بينما اختار آخرون النزوح إلى البقاع بحثاً عن بيئة مشابهة لمهنتهم.
“الخط الأصفر” وحصار القرى
يشير القادري إلى تطور خطير يتمثل في إدراج مناطق واسعة من العرقوب ضمن ما يسمى “الخط الأصفر” الإسرائيلي، وهو أمر لم يكن مألوفاً في السابق. من شبعا وعين عطا وصولاً إلى عين عرب، بات الأهالي محاصرين، حتى في القرى التي خارج نطاق الخط الأصفر مثل كفر حمام وراشيا الفخار، حيث أصبحت عملية الوصول إلى الأراضي لاستثمارها مغامرة محفوفة بالمخاطر. يصف القادري هذا الواقع بمرارة: “لقد أصبحنا محاصرين في أرضنا، ومعتمدين بالكامل على المساعدات الغذائية”.
الدولة.. غياب طويل وحضورٌ مطلوب
في حديثه عن العلاقة مع الدولة اللبنانية، يرى القادري أن المنطقة تعاني من تهميش تاريخي، فالدولة كانت غائبة منذ الخمسينات، ومنذ عام 2000 اقتصر حضورها على الجانب الأمني دون الإنمائي. وانتقد القادري بشدة انسحاب مراكز الجيش اللبناني من المنطقة، معتبراً أن “هذا العمل معيب”، إذ لا يمكن للجيش أن ينسحب قبل الأهالي الصامدين.
ويشدد القادري على رسالة واضحة: “نحن مع الدولة، لكننا نريدها حاضرةً معنا، ليس أمنياً فقط، بل اجتماعياً وصحياً وتعليمياً”.
مطالب الصمود
وفي سياق حديثه عن مقومات الصمود، يؤكد الدكتور القادري أن البلديات، التي تعاني أصلاً من إمكانيات محدودة وتنتظر هي الأخرى الدعم لتستمر في أداء مهامها، لم تعد تجد في المساعدات الغذائية حلاً كافياً للأهالي. فالمرحلة الراهنة تتطلب رؤية تنموية شاملة تتجاوز المساعدات العينية، تبدأ بتوفير دعم طبي متكامل يضمن تغطية الأدوية والطوارئ، لا سيما في ظل محدودية تغطية الدولة التي تقتصر حالياً على العمليات والاستشفاء فقط. كما يشدد القادري على أولوية النهوض بالبنية التحتية من خلال تنفيذ مشاريع الصرف الصحي الحيوية، والعمل على تأهيل الطرق الأساسية كطريق “سوق الخان – شبعا” التي تشكل شرياناً حيوياً للمنطقة، إلى جانب ضرورة تعزيز الحضور التنموي عبر تفعيل المستوصفات والمراكز الاجتماعية في القرى، لتكون حاضنة فعلية للأهالي في ظل هذه الظروف الصعبة.
تظل منطقة العرقوب اليوم شاهدة على إرادة الناس في التمسك بالبقاء، لكن هذه الإرادة وإن كانت صلبة تحتاج إلى سندٍ حقيقي من الدولة يخرجها من دائرة الحصار والاعتماد على المساعدات، ويعيد إليها دورتها الاقتصادية والاجتماعية التي تليق بأهلها.



