مخطط وضع اليد على أملاك المسيحيين في لبنان

صدى وادي التيم – لبنانيات /
لم يعد ما يجري في عدد من المناطق اللبنانية يُختزل في نزاعات عقارية متفرّقة أو خلافات محلية قابلة للاحتواء بتسوية ظرفية. الوقائع المتراكمة في لاسا، العاقورة، تنورين، بعلبك، نهر العاصي، جزين، كفركلا، البياضة ومناطق حدودية جنوبية، ترسم صورة نمط متكرر من وضع اليد على أراضٍ تعود ملكيتها لمواطنين مسيحيين ولمؤسسات كنسية، ولا سيما البطريركية والرهبانيات المارونية، حيث تتكرر وقائع الاستيلاء على هذه الممتلكات إمّا بقوة السلاح غير الشرعي المليشياوي وفرض الأمر الواقع، وإمّا عبر مسارات قانونية ملتبسة قائمة على التزوير والغش وتجاوز الاختصاص النوعي، بما يثير شبهة وجود آلية متكررة لا يمكن التعامل معها بوصفها أحداثًا منفصلة أو عرضية.
أولًا: الوقائع الميدانية – من لاسا إلى الجنوب
في لاسا – العاقورة – تنورين، برز نزاع عقاري واسع حول أملاك تعود إلى البطريركية المارونية ومواطنين مسيحيين. وتحوّلت كنيسة سيدة الوردية في لاسا إلى محور سجال بعد استخدامها كحسينية بالقوة، فيما بقيت الكنيسة والأراضي المستولى عليها تحت سلطة الأمر الواقع، ما أثار تساؤلات حول الجهة التي تملك قرار إعادة الممتلكات إلى أصحابها الشرعيين.
وإمعانًا في سياسة الاستيلاء على أراضي المسيحيين، قال المفتي الجعفري الشيخ الراحل عبد الأمير قبلان في 22 تموز 2011: “معلوماتي أن لاسا وجوارها لأهل لاسا ونحن بالمرصاد لكل غاشم وظالم”، رغم أن الوثائق والصكوك تؤكد ملكية الكنيسة المارونية. وبعد اعتراضات البطريركية والمطرانية وتعرّض مسّاحين للضرب على أيدي عناصر “المليشيا”، زار وفد من “الحزب” برئاسة غالب أبو زينب العماد ميشال عون في 15 أيلول 2008 وسلّمه مفتاح الكنيسة كلفتة سياسية استغلالية بدل إعادته للبطريركية.
وتستكمل قصة كنيسة الوردية بسيطرة “أتباع الحزب” على مشاعات في العاقورة وتنورين بقوة السلاح، بملايين الأمتار المربعة، ومنع المسيحيين من الانتفاع بها. وتطبيقًا لهذه السياسة المتمادية في الاستيلاء على الأراضي والعقارات، أصدر وزير المالية “الأملي” في 31 كانون الأول 2014 قرارًا بنقل ملكية جرود جبل لبنان إلى الدولة، ما مسّ ملكيات مسيحية وأوقافها، قبل أن يتراجع عن هذا القرار إثر اعتراضات البطريرك والأهالي والقوى المسيحية.
في منطقة جزين وتلة سجد، تم وضع اليد على الملايين من الأمتار العقارية ومُنع مالكوها المسيحيون من الوصول إلى أراضيهم تحت ذرائع أمنية مرتبطة بـالميليشيا، رغم بُعد هذه العقارات جغرافيًا عن خطوط التماس المباشر مع اسرائيل.
يضاف إلى ذلك عمليات استيلاء ووضع يد متمادٍ بقوة السلاح ومنذ عشرات السنين على أراضي وعقارات المسيحيين والبطريركية المارونية في منطقة البقاع الشمالي، في بعلبك ذاتها وفي منطقة العاصي بالتحديد، وهي أراضٍ تعود ملكيتها للبطريركية المارونية، حيث تم استثمارها بشكل ممنهج ومغطّى من الميليشيا وشيوخها وأسيادها.
أما في كفركلا والبياضة، فقد بثت محطة MTV Lebanon تقريرًا وثائقيًا، منذ عدة أيام، أشار إلى شبهات تزوير مستندات عقارية وخرائط تتعلق بأملاك واسعة تعود لكنيسة الروم الكاثوليك الملكيين. ونُسبت الأفعال إلى محامٍ مرتبط بـالمجلس الشيعي الأعلى، وقد رُفعت عنه الحصانة النقابية. وبحسب التقرير، تضمنت الآلية المزعومة تعديل خرائط تاريخية بضم العقارات زورًا إلى ملكية يهود حيفا وشركات يهودية، واعتبار هذه الملكيات باطلة كونها ضُمّت من قبل اليهود، ثم استصدار حكم عن المحكمة الشيعية الجعفرية قضى، خلافًا لاختصاصها وللقانون ولأحكام الدستور، بضم ملكية هذه العقارات للمجاس الشيعي الأعلى.
ثانيًا: الخلفية الأيديولوجية والسياق السياسي
لا يمكن فصل هذه الوقائع، في حال إثباتها، عن الخلفية الأيديولوجية المعلنة لـ “حزب الله” منذ تأسيسه عام 1982، ولا سيما “الرسالة المفتوحة” عام 1985 التي تبنت خيار إقامة دولة إسلامية في لبنان في إطار مرجعية مرتبطة بإيران ونظرية ولاية الفقيه، مع ربط تحقيق هذا الهدف بقبول اللبنانيين به.
كما نُسب إلى أمينه العام في ثمانينات القرن الماضي، في حديث صحافي مع الشهيد جبران التويني، تأكيد مشروع إقامة جمهورية إسلامية في لبنان على أساس ولاية الفقيه، واعتبار أن بعض مناطق جبل لبنان كانت تاريخيًا ذات غالبية شيعية وأن الموارنة جاؤوا غزاة من البيزنطية إلى هذه المناطق. هذه المواقف شكّلت جزءًا من الخطاب السياسي العلني في مرحلة التأسيس، وتبقى جزءًا من السجل الموثق للنقاش حول هوية النظام اللبناني.
انطلاقًا من هذا السياق، فإن الربط بين تلك الخلفية الأيديولوجية والوقائع العقارية المطروحة لا يُعدّ استنتاجًا سياسيًا مجردًا، بل مسألة تقتضي تحقيقًا قضائيًا في سياسة ممنهجة ومخطط ذي بعد ديموغرافي ومذهبي يُخشى أن يستهدف تغيير البنية السكانية عبر السيطرة على الملكيات وتهجير المسيحيين.
ثالثًا: التكييف الدستوري – حماية الملكية وسيادة القانون
تنص المادة 15 من الدستور اللبناني صراحة على حماية الملكية الخاصة وعدم نزعها إلا للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل. كما أن نظام السجل العقاري يمنح القيود العقارية حجية مطلقة لا تزول إلا بحكم قضائي صادر عن المرجع المختص.
وأصل الحق العيني العقاري يدخل حصرًا ضمن اختصاص القضاء المدني والقضاء العقاري. أما المحاكم المذهبية، بما فيها المحكمة الجعفرية، فاختصاصها محصور بالأحوال الشخصية ولا يمتد إلى تثبيت أو نقل ملكية عقارية مستقلة خارج نطاق نزاع إرث محدد. وأي حكم يصدر خارج هذا النطاق يكون باطلاً بطلانًا مطلقًا لعيب جوهري يتعلق بعدم الاختصاص النوعي ومخالفة النظام العام.
وفي حال ثبت وجود:
• تزوير مستندات أو خرائط.
• استعمال مزوّر.
• تلاعب بالسجلات العقارية.
• تضليل في هوية المشترين عبر وكالات صورية.
• وضع يد بالقوة أو منع حيازة.
• تنظيم ممنهج للاستيلاء على العقارات.
فإن هذه الأفعال قد تندرج ضمن جرائم التزوير الجنائي واستعمال المزور، الاحتيال العقاري، اغتصاب العقارات بالقوة، إساءة استعمال السلطة، تكوين جمعية أشرار، وقد ترقى إلى توصيفات خطيرة في القانون الدولي.
رابعًا: من الجريمة العقارية إلى شبهة الجريمة الدولية
إذا ثبت أن ثمة سياسة ممنهجة واسعة النطاق تستهدف فئة دينية محددة عبر الضغط العقاري، ومنع الانتفاع بالأملاك من قبل مالكيها المسيحيين، ونقل الملكيات بوسائل احتيالية وتزوير أو قسرية بقوة السلاح غير الشرعي بقصد إحداث تغيير ديموغرافي مذهبي يؤدي إلى تهجير المسيحيين أو أي فئة أو مجموعة أخرى، فإن المسألة قد تتجاوز الإطار الجزائي الوطني. فالتهجير القسري والاضطهاد على أساس ديني يشكلان، في ظروف معينة، جنايات ضد الإنسانية تدخل ضمن اختصاص القانون الدولي الجنائي والمحكمة الجنائية الدولية. وعند عجز القضاء الوطني أو امتناعه عن المعالجة الفعّالة، يحق للمتضررين:
1. رفع القضية إلى هيئات الأمم المتحدة المختصة بحقوق الإنسان.
2. تقديم شكاوى موثقة إلى المقررين الدوليين الخاصين المعنيين بحرية الدين وحقوق الملكية،.
3. إثارة المسألة أمام مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
4. والسعي – في حال توافرت الشروط القانونية – إلى إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، بقبول الحكومة اللبنانية اختصاص هذا القضاء في هذه القضية بالتحديد عملًا بأحكام المادة 12 الفقرة الأخيرة من اتفاق روما، باعتبار أن الاضطهاد الديني والتهجير القسري يندرجان ضمن الجرائم ضد الإنسانية إذا ثبت الطابع المنهجي والواسع النطاق.
خامسًا: مسؤولية الدولة والقيادات والمرجعيات الدينية المسيحية:
القضية ليست سجالًا انتخابيًا، بل مسألة وجود دستوري ووجود كياني. إذا سقطت حماية الملكية الخاصة، سقط أحد أعمدة الدولة اللبنانية. وإذا تُرك السجل العقاري عرضة للتلاعب أو للأمر الواقع المسلح، فإن فكرة الدولة نفسها تصبح موضع تساؤل، مما يتطلب من سلطات الدولة السياسية والقضائية ومن القيادات السياسية المسيحية ومن المرجعيات الدينية المسيحية لا سيما البطريركية المارونية القيام بما يلزم واتخاذ كل الإجراءات الضرورية لمواجهة هذا المخطط الخطير الذي يهدد الكيان ووضع حد له.
المطلوب ليس تحريضًا طائفيًا ولا سجالًا إعلاميًا، بل العمل على اتخاذ وتنفيذ الإجراءات التالية:
1. تحقيق قضائي شامل ومستقل في كل الوقائع المثارة.
2. تدقيق كامل في القيود العقارية والخرائط والسجلات.
3. الطعن بكل حكم صادر عن مرجع غير مختص نوعيًا.
4. تحرّك النيابات العامة لملاحقة جرائم التزوير واغتصاب العقارات بقوة السلاح وقوى الأمر الواقع.
5. مساءلة أي موظف أو جهة يثبت تورطها في التلاعب بالسجل العقاري.
6. تحرّك سياسي واضح لحماية الملكية الخاصة بوصفها ركنًا دستوريًا غير قابل للمساومة.
7. رفع القضية إلى الجهات المختصة ومجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة إذا لزم الأمر.
خلاصة: المخاطر الوجودية – من النزاع العقاري إلى التغيير الديموغرافي
لم تعد المسألة مجرد خلافات عقارية. فإذا ثبت وجود نمط متكرر من وضع اليد بقوة السلاح أو عبر الاحتيال والتزوير على أملاك تعود إلى الطائفة المسيحية في لبنان، فإن الأمر يتجاوز نزاعًا ملكيًا ليشكّل مسارًا خطيرًا قد يؤدي عمليًا إلى إلغاء الوجود الديموغرافي للمسيحيين في مناطقهم التاريخية، بما يفضي إلى تغيير بنيوي في التوازنات المحلية.
إن تغيير الواقع العقاري بالقوة غير الشرعية أو بالتزوير لا يهدد فئة بعينها فحسب، بل يضرب فكرة الدولة نفسها، لأن سقوط الضمانة القانونية للملكية يعني سقوط الأمان القانوني للجميع. الفيصل هنا هو القضاء المستقل، باعتباره المرجع الحاسم في التحقق والمساءلة. وإذا تعذر تحقيق العدل داخليًا، يبقى القانون الدولي ملاذًا أخيرًا. فالسكوت، متى ثبت وجود مخطط من هذا النوع، لا يكون موقفًا حياديًا، بل جريمة موصوفة وإخلالًا دستوريًا وأخلاقيًا وسياسيًا. ومن ثمّ فإن الدفاع عن الملكية الخاصة ليس دفاعًا عن جماعة بعينها، بل عن سيادة القانون وعن الدولة بوصفها الضامنة للحقوق والحريات.
دريد بشراوي – نداء الوطن



