كريستوفيني.. الجبل اللبناني الذي أراد الإسرائيليون أن يكون آخر ما يُقال قبل الصمت

صدى وادي التيم – لبنانيات /
أولاً: ما هي سلسلة جبال كريستوفيني؟
في الطرف الشرقي من جنوب لبنان، حيث تلتقي السلسلة الجبلية الشرقية بأذيال جبل الشيخ وتشرف على الطريق الحيوي الرابط بين بيروت ودمشق، تمتد مرتفعات تُعرف عسكرياً باسم “سلسلة جبال كريستوفيني”. وهي تسميةٌ غير متداولة على الإطلاق في الجغرافيا اللبنانية الرسمية ولا في الذاكرة الشعبية المحلية، مما جعل إعلان الجيش الإسرائيلي عنها فجأةً في أبريل 2026 يُثير تساؤلات واسعة حول أصل هذا الاسم ودلالاته.
تقع هذه المرتفعات ضمن الامتداد الجنوبي لجبال لبنان الشرقية، على بعد نحو 12 كيلومتراً من جبل الشيخ، وتُشرف على طريق بيروت – دمشق ، مما يجعلها نقطة مراقبة استراتيجية بالغة الحساسية تطل على حركة العمق اللبناني والسوري في آنٍ واحد.
ثانياً: من أين جاء هذا الاسم؟
لا يرد اسم “كريستوفيني” في أي خريطة لبنانية رسمية أو في قواميس التسمية الجغرافية العربية. والأرجح أن الاسم إيطالي الأصل، وله تفسيران محتملان:
الاحتمال الأول — الإرث الاستعماري الفرنسي: خلال فترة الانتداب الفرنسي على لبنان (1920-1943)، دأبت السلطات الاستعمارية وضباطها على إطلاق أسماء أوروبية على بعض التضاريس والمواقع العسكرية في المناطق النائية، ولا سيما تلك التي لم يكن لها اسم محلي شائع. وقد شارك ضباط إيطاليون في بعض عمليات المسح الجغرافي في المنطقة.
الاحتمال الثاني — الإرث العملياتي لليونيفيل: إيطاليا تُساهم في قوة اليونيفيل منذ عام 1979، وهي أكبر مُساهم في اليونيفيل الثانية منذ عام 2006 . وقد اعتادت القوات الإيطالية المنتشرة في جنوب لبنان إطلاق أسماء على المواقع الجبلية في منطقة عملها، وهو أسلوب شائع في التسمية العسكرية. وقد تكون “كريستوفيني” اسم ضابط أو جندي إيطالي ارتبط اسمه بهذه المرتفعات خلال عقود من الانتشار.
والجدير بالذكر أن هذه التسمية غير متداولة ولا معروفة لدى اللبنانيين أنفسهم ، مما يؤكد أنها تسمية عسكرية-عملياتية بحتة، وليست جغرافية شعبية.
ثالثاً: الأهمية الاستراتيجية
تكتسب مرتفعات كريستوفيني أهميةً استراتيجية متعددة الأبعاد:
1. السيطرة على الجناح الشرقي بأسره
تمتد مناطق التوغل الإسرائيلي شرقاً حتى هذه السلسلة، لتشكّل امتداداً يضم بلدة الخيام ومنطقة “البوفور” وسط جنوب لبنان، وصولاً إلى رأس البيضا غرباً . وهذا يعني أن السيطرة عليها تُكمل الحزام الأمني الإسرائيلي من الساحل حتى الحدود السورية.
2. الإشراف على طريق بيروت – دمشق
يُعدّ هذا الطريق الشريان الرئيسي لإمداد حزب الله من إيران عبر سوريا، وأي سيطرة على المرتفعات المطلة عليه تعني القدرة على مراقبة حركة الأسلحة والرجال في العمق اللبناني والسوري.
3. القرب من جبل الشيخ
يوفر جبل الشيخ وقواعد الإنذار المبكر ميزة إضافية لرصد جنوب وشمال لبنان ، وكريستوفيني امتدادٌ طبيعي لهذه المنظومة الاستراتيجية في الرقابة والإنذار المبكر.
4. قطع خطوط التواصل بين حزب الله والبقاع
تقع هذه الجبال في المنطقة الفاصلة بين جنوب لبنان وسهل البقاع، حيث تتمركز بنية حزب الله اللوجستية، فالسيطرة عليها تعني قطع أي إمكانية لإعادة التموضع.
رابعاً: عملية “العقاب” — الاحتلال في آخر لحظة
كشف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عن تفاصيل عملية عسكرية أطلق عليها اسم “العقاب”، نفذها الجيش قبل دقائق من دخول وقف إطلاق النار مع لبنان حيز التنفيذ. وشملت العملية إنزال قوات من وحدة خاصة في عمق سلسلة جبال كريستوفيني في لبنان الشرقي، حيث رسّخت القوات وجودها العملياتي في المنطقة.
وأعلن الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي أن العملية جرت بموافقة رئيس الأركان إيال زامير، وبإشراف مباشر من قائد سلاح الجو تومر بار وقائد المنطقة الشمالية ، وهو ما يعكس الثقل الاستراتيجي الكبير الذي أولته القيادة الإسرائيلية لهذه العملية.
التوقيت بحد ذاته رسالة. فتنفيذ إنزال عسكري بعيد المدى في آخر دقائق قبل وقف إطلاق النار يُفصح عن نية واضحة: تثبيت وقائع ميدانية جديدة قبل أن يُسدل الستار.
خامساً: في السياق الأشمل — خريطة الاحتلال الجديدة
لا يمكن فهم عملية كريستوفيني بمعزل عن المشهد الأوسع. نشر الجيش الإسرائيلي خريطة تفصيلية لخط انتشاره الجديد داخل الأراضي اللبنانية، مما يُكرّس سيطرته الميدانية على عشرات القرى التي باتت معظمها خالية من السكان، وذلك بعد أيام من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ .
وقسّم الجيش الإسرائيلي المناطق التي يسيطر عليها في جنوب لبنان إلى ثلاثة خطوط رئيسية: “الخط الأحمر” ويمثل الصف الأول من القرى الحدودية، و”الخط الأصفر” الذي يمتد بين 6 و10 كيلومترات من الحدود، فيما يصل الخط الثالث إلى نهر الليطاني .
وتقع مرتفعات كريستوفيني في الامتداد الشرقي لهذه المنظومة، لتُشكّل نقطة الإغلاق الاستراتيجي للجناح الأيمن الإسرائيلي بأكمله.
سادساً: الموقف القانوني اللبناني
وقد رصدت لجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان التصريحات الصادرة عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عبر منصة “إكس”، والتي أعلن فيها عن تنفيذ عملية عسكرية تحت مسمى “العقاب”، شملت هبوط قوات خاصة في منطقة أطلق عليها تسمية “جبال كريستوفيني” ضمن سلسلة جبال لبنان الشرقية، وذلك قبل دقائق معدودة من سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وإزاء هذا الإعلان، يهم اللجنة تبيان الحقائق القانونية التالية:
أولاً بطلان التسميات الجغرافية المستحدثة: تؤكد اللجنة أن مسمى “جبال كريستوفيني” هو مسمى وهمي ومختلق، ولا وجود له في التاريخ الجغرافي أو السجلات العقارية الرسمية للجمهورية اللبنانية. إن لجوء سلطات الاحتلال إلى اختراع مسميات جديدة للأراضي اللبنانية السيادية يندرج ضمن سياسة “العدوان الثقافي والجغرافي”، ويهدف إلى إيجاد “حقائق بديلة” على الأرض لتسهيل عملية قضم الأراضي وتضليل المجتمع الدولي واللجان التقنية المعنية بمراقبة وقف إطلاق النار.
خلاصة
جبال كريستوفيني ليست مجرد مرتفعات مجهولة في الجنوب اللبناني. إنها باتت تُجسّد معادلة جديدة فرضها الجيش الإسرائيلي بالقوة: السيطرة على الأفق الشرقي للجنوب من الساحل حتى أذيال الجولان، وتحويل هذه المرتفعات إلى نقطة مراقبة دائمة تُطل على الطريق الرابط بين عاصمتين، وتُغلق الباب أمام أي إعادة انتشار لحزب الله في العمق. أما الاسم نفسه، الأجنبي والغريب على الأذن اللبنانية، فهو مفارقة لافتة: جبال لبنانية تحمل اسماً إيطالياً، يحتلها جيشٌ إسرائيلي، ويتداولها العالم بالعربية — وكأن الجغرافيا هنا أيضاً أرضٌ متنازَع على هويتها قبل أن يُتنازَع على ترابها.
هلال ريماتي



