المتقدم في الكهنة الاب اميل الحداد كاهن رعية حاصبيا يزرع الايمان حيث تُكتب المحبة بالفعل لا بالشعارات

صدى وادي التيم – رأي جر بأقلامكم /

في مدينةٍ تتقاطع فيها الطرق الروحية كما تتقاطع فيها الوديان وقف أبن حاصبيا المسيحيّ كما اخوانه السني والموحد الدرزي عبر السنين شاهدًا وشريكًا حافظًا جذوره ومساهمًا بصمت في بناء مجتمعٍ قائم على الاحترام المتبادل والكرامة الإنسانية
لم يكن الوجود المسيحي في حاصبيا مجرد حضور عددي أو تاريخي بل كان ولا يزال حضورًا رساليًا
مدارس وعلاقات وخدمة إنسانية وذاكرة مشتركة تجمع الجيران حول الفرح كما حول الألم هذا الحضور حمل معه دومًا قيم الإنجيل بعناوين السلام والغفران والمحبة التي لا تفرّق
وفي قلب هذا الطريق برز وجهٌ كنسيّ اختار أن يكون جسرًا لا جدارًا
الأب أميل حدّاد المتقدّم في الكهنة
الكاهن الذي يزرع حيث لا يرى أحد
منذ أكثر من اثنين وعشرين عامًا جاء الأب أميل إلى رعية حاصبيا لا ليبني سلطة دينية بل ليزرع علاقة إنسانية متكاملة كما جاء بالانجيل المقدس
اختار البساطة بدل الاستعراض والخدمة بدل المنبر العالي والناس بدل المؤسسات الثقيلة ولم يكتفِ بالكلام عن المحبة بل عاشها بكل صدق
فتح قلبه قبل أن يفتح باب الكنيسة
جلس إلى جانب الفقير كما إلى جانب الوجهاء
شارك المسلمين والدروز والمسيحيين أفراحهم وأطراحهم ومناسباتهم وبروحية القيم الإنسانية والشراكة لم يأخذ باب المعاملة من باب الطائفية فكان مساحة تلاقي وسلام
وفي الأحزان والمصائب كانت صلاته وحضوره الهادئ محتوى ووعاء مليئ بالايمان يخفف الآلام وصلة وصل بين الخالق والمخلوق
عمل جنبًا إلى جنب مع شيخ الجامع ومع مشايخ البياضة ومع وجوه المنطقة واضعًا هدفًا واحدًا أمامه
أن تبقى حاصبيا بيتًا واحدًا مهما اختلفت الطرق المؤدية إلى الله
ولذلك لم يُعرف الأب أميل ككاهن لطائفة بل كخادم لكل إنسان طرق بابه
هي رسالة مخطوطة بحبر الصدق
فأهلنا المسيحيين في قضاء حاصبيا
لم ولن يكن جودهم مجرد صدفة ولا هو بقايا تاريخ فجودهم شهادة رجاء وثبات ووفاء للأرض التي احتضنت الأجداد والآباء إن رسالتهم اليوم ليست الانغلاق ولا الخوف بل تثبيت الجذور بوعي والمشاركة الفاعلة في حياة المنطقة ودعم كل مبادرة تبني العيش الواحد
ومع كاهنٍ حمل همّهم في قلبه مثل الأب أميل حدّاد تصبح المسؤولية مشتركة فالكنيسة ليست حجرًا فقط بل هي وجوههم عائلاتهم صلواتهم وشهادتهم اليومية
في حاصبيا النموذج تنتصر المحبة وفي زمنٍ يكثر فيه خطاب الكراهية يبقى قضاء حاصبيا مثالًا بسيطًا لكنه حقيقي ست كنائس ودير وجامع وخلوات مضاءة بالايمان وكلّها تعيش تحت سقف واحد من الاحترام المتبادل والتآخي الصادق
ليس هذا نتيجة صدفة بل ثمرة رجال ونساء آمنوا أن الإنسان قبل الطائفة وأن الوطن قبل الانقسام وأن الله لا يسكن إلا حيث تسكن المحبة
تحية لكل مسيحي ثابت في أرضه وتحية للأب أميل حدّاد كاهن المحبة والعيش المشترك الذي اختار أن يخدم بصمت ليبقى الضوء مضيئًا فوق هذا القضاء المبارك

بقلم  عطاالله دعيبس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!