أنيس شفيق يحيى: كاتب في حضرة الجرح المفتوح

صدى وادي التيم – رأي حر بأقلامكم /
في بلادٍ تُشبه جرحًا مفتوحًا على اتساع التاريخ، لا يُولد الكتّاب جميعهم ليُسلّوا أو يُجمّلوا، بل يأتي بعضهم كفعل مقاومة ضد النسيان، كعينٍ مفتوحة على الخراب، ولسانٍ لا يساوم أمام الأساطير المصنوعة. من بين هؤلاء، يبرز اسم أنيس شفيق يحيى، الروائي، المؤرخ، والباحث اللبناني، الذي جعل من الكتابة فعلاً نقديًا متجذرًا في الوعي، ومن الحبر أداةً للحفر في طبقات الذاكرة الوطنية والإنسانية.
ولد أنيس عام ١٩٥٠ في بلدة عرمون جنوب شرق بيروت، في زمنٍ كانت فيه البلاد تتخبط في تحولات سياسية واجتماعية حادة. هذه المرحلة المبكرة من التكوين تركت أثرًا عميقًا في رؤيته، فكان التاريخ بالنسبة إليه ليس سردًا لأحداثٍ منتهية، بل نبضًا حيًّا، يتقاطع مع الألم الجمعي ويخترق جدران الصمت الموروث.
سعى منذ بداياته إلى مساءلة السرديات السائدة، لا لتفنيدها فقط، بل لتفكيك بنيتها وإعادة ترتيب أسئلتها. لم يكتب ليمجّد، ولم يُؤرّخ ليُرضي، بل كتب ليوقظ، ليحرّض، وليفتح نوافذ جديدة نحو قراءة أكثر إنصافًا للواقع والتاريخ.
* الهوية الأكاديمية: علم الآثار بوابة إلى الوعي التاريخي.
شكّل التكوين الأكاديمي لليحيى ركيزةً أساسية في مشروعه الفكري، إذ نال إجازتين وماجستيرين في علم الآثار والتاريخ من الجامعة اللبنانية. هذا التعمق في الحقول المعرفية مكّنه من التمرد الواعي على التأريخ المدرسي، وفتح أمامه أبواب الوثائق والسياقات، لا ليروي ما كُتب، بل ليكشف ما أُخفي عمداً أو غُيّب تحت ركام السياسة والطائفية.
* المؤرخ المختلف: صوت على هامش السردية الرسمية.
لم يكن أنيس مجرد باحث في الوثائق، بل كان مشاكسًا للسرديات، مهمومًا بما أُسقِط عمدًا من ذاكرة الوطن. في أبحاثه التاريخية، سعى إلى تأريخ لبنان الحديث من منظور غير طائفي، متجنبًا الوقوع في فخ القداسة أو الانحياز. كتب عن التنوخيين، وبشير جنبلاط، وناقش تحولات الطائفة الدرزية في أعمال مثل «الدروز والصراع على تاريخ لبنان»، واضعًا التاريخ في مواجهة ذاته، ومسائلًا المرويات السلطوية التي وُظّفت لخدمة مشاريع ضيقة.
* الكاتب العلماني: العقل في مواجهة القداسة.
بعيدًا عن حقل الأكاديميا، كان لأنيس صوتٌ ثقافي ناقد في الصحف اللبنانية والعربية، حيث قدّم مقاربات فكرية في قضايا الدين والهوية والسياسة، داعيًا إلى العلمانية لا كشعار، بل كقيمة ثقافية وسلوكية تعزز التعددية وتحترم الفردانية. في زمن الانقسام، دافع عن العقل، وفي زمن الاصطفاف، ناصر الإنسان، وفي زمن الخوف، كتب بشجاعة.
* رواياته: حين يصبح الأدب مرآةً للجرح الجماعي.
الرواية عند أنيس شفيق يحيى ليست مساحة للهروب، بل حقلًا للمواجهة، حيث تتلاقى الأرواح المعذبة مع المهمّشين والمنفيين من كتب التاريخ. روايته الأولى «جدار الجليد» (١٩٩٠) تلامس هشاشة الكيان الوطني في خضم الحرب اللبنانية. ثم جاءت «ثمّة من يطرقون الباب» (١٩٩٧) لتحاكي أثر الهيمنة الأجنبية، لاسيما الأمريكية، في صياغة مصائر الشعوب.
في «جسدٌ كان لي» (٢٠٠٢)، يخوض في الميتافيزيقا من خلال التقمّص، معتقدًا متجذرًا في بعض الطوائف اللبنانية، لينسج حكاية تتجاوز الجسد والزمن. أما «السبي الثالث» (٢٠٠٦)، فهي رواية جريئة في مقاربتها للصراع العربي الإسرائيلي، لا بلغة التجييش، بل بلغة إنسانية متعددة الأصوات. وفي «صهوات خيل ميتة» (٢٠١٧)، يعيد مساءلة مفاهيم البطولة والانهيار الأخلاقي، في مجتمعات تُكرّس الرماد وتنسى النار.
* ما بعد السرد: تأملات وهوامش مشرعة على الألم
إلى جانب الرواية، كتب أنيس أعمالاً فكرية وتأملات وجودية، منها «ويبقى الظلّ أوسع» (٢٠٠٦)، الذي يناقش الهوية والموت والوجود في سياق فلسفي عميق. أما في ديوانه غير المنشور «دائمًا نُعطى إلهًا»، فيكتب الشعر كفعل مقاومة ضد الطغيان، مستلهمًا من تجربة صدام حسين رمز العنف والاستبداد في العالم العربي.
* مشروعه الثقافي: تفكيك الرواية الطائفية.
أنيس شفيق يحيى لا يفصل بين الأدب والتاريخ والسياسة، بل يدمجها في مشروع نقدي متكامل يسعى لتقويض السرديات الطائفية، وكشف البنية السلطوية في إنتاج الذاكرة. هو كاتب يرى في الحرب فعلًا مستمرًا، ليس في الجبهات فقط، بل في الخطاب، في الكتب، في وسائل الإعلام، وفي كيفية تشكيل “الحقيقة”.
مشروعه ليس نخبويًا معزولًا، بل متجذرًا في هموم الناس والهوية والعيش المشترك. إنه ناقد الحرب، وابن الطائفة وعدوّها، وناسف الروايات الرسمية باسم الوعي الإنساني الحر.
* خاتمة: ما بين الكتابة والشهادة
ربما لا يلمع اسم أنيس شفيق يحيى في المشهد الثقافي الإعلامي كما يستحق، لكنه حاضر في العمق، في المكتبات، في صفحات الباحثين، وفي عيون من يبحثون عن الحقيقة خارج الشعارات. هو كاتبٌ لا يهادن، مؤرخ لا يجمّل، وصوت لا يُروّض.
في زمن تُختزل فيه الذاكرة في شعار، والتاريخ في طائفة، يأتي أنيس ليذكّرنا أن الكلمة ليست مجرد حبر، بل مساءلة مستمرة، وجرحٌ مفتوح، وشهادة لا تموت.
إعداد مكرم المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!