85% من اللبنانيات عانسات
صدى وادي التيم – لبنانيات /
كتبت نور صفي الدين في المدن:
ما زال صنّاع المحتوى يستثمرون في القضايا الجدلية بهدف نيل الإعجاب ولو على حساب نشر مفاهيم مغلوطة، مثل ذلك الفيديو الذي انتشر عن العنوسة في العالم على العربي عبر صفحة “شلي شو” في فايسبوك، حيث حل لبنان في المرتبة الأولى “بنسبة 85%” بحسب زعم الفيديو.
جذب المنشور أكثر من مليوني مشاهدة، مما يستجدي مقاربة الموضوع من وجهة نظر اجتماعية تحاكي حقوق النساء أولاً بدلاً من تصنيفهن، مقابل تعمية الجمهور عن حقيقة مفادها أن العنوسة “مصطلح” ذاب مع تطور الواقع الحياتي، وتساوي المرأة مع الرجل في الواجبات والمسؤوليات، وإن ما زالت تناضل لنيل حقوقها.
ولم تكن فكرة “العنوسة” الا موضوعاً استهلكه الاعلام التقليدي بهدف جلب الانتباه واسترضاء العقلية الذكورية التي غالباً ما تعزو المشكلة إلى المرأة، غير أنّ فائض استهلاك هذه الفكرة انسحب أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي كونها موضوعاً يشجع الجميع على وضع “أنوفهم فيه”، بصرف النظر عن مساهماتهم في تنمية المجتمع وتطوره.
وبالنظر الى الحياة اليومية في بلداننا، لا تدعى المرأة “عانساً” على سبيل الإطراء أو المديح، فعادة ما يطلق هذا المصطلح بداعي تحقيرها وتصفية دورها في المجتمع، وتجريدها من كل الانجازات التي حققتها على الصعيدين الشخصي والعملي، على اعتبار واحد: أنّها لم تُقدم على الزواج (أو لم يتوافر لها) بحسب المعايير التي يحددها المجتمع، وبالأحرى الذكور. فعن أي معايير نتحدث وعن أي مجتمع؟
العنوسة.. عرفاً
يفتتح الفيديو تعريفه للعنوسة بأنّها “نسبة النساء اللواتي تجاوز عمرهن الـ 35 ولم يتزوجن بعد.” وفي بحث عن تعريف العنوسة، لا يمكن ايجاد تعريف واضح وثابت، اذ أنه وفي السنوات السابقة، كانت المرأة التي اجتازت عتبة الثلاثين من دون زواج هي من تستوفي الشرط الأساسي لتنادى بـ”العانس“، وفي حالات أخرى قد تكون المرأة قد دخلت في دائرة العوانس في عمر العشرينيات حسبما ترى بيئات تقليدية.
والواضح أن تعريف “العنوسة” يتبدل بحسب التغييرات الديموغرافية وأنماط الحياة، لكن الثابت الوحيد هو أن عنوسة المرأة هي محط الاهتمام الدائم، لا عنوسة الرجل. وكأن المرأة كائن منقوص ما دامت لا تستظل بالرجل ولم تحظ بأن تكون “على اسمه”، فتصبح “عانساً”، لا قيمة لها و لا دور مهماً، ليتحول هذا المصطلح من تنميط الى تهمة. وينشغل المجتمع بالبحث عن أسباب اعتزال المرأة “الحياة الزوجية”، وبدلاً من أن يكون قرار عدم الزواج أو تأخيره أمراً شخصياً، يصبح مرتبطاً بقصور شخصي ومشاكل نفسيّة خاصة بها.
وعلى الرغم من استمرار استخدام مصطلح “العنوسة” في الثقافات العربية، إلا أنه ومنذ نحو عشرين عاماً، تم التوقف عن تداوله في بريطانيا ودول أوروبية أخرى (spinster)، واستُبدل بتصنيف “غير متزوج” ليعبّر عن الأفراد غير المتزوجين من دون أي تمييز بين الجنسين، لتتساوى النساء بالرجال من حيث الوضع العائلي. فالاعتقاد بأنّ “العنوسة” مرتبطة بسن الانجاب، لم يعد السائد بعد اليوم مع تطور تكنولوجيا الإنجاب والتلقيح… إضافة -ربما- إلى خيار عدم الإنجاب!
أرقام غير مسندة
بصرف النظر عن عدم دقة الأرقام التي نشرها الفيديو، فقد أظهر من خلال العد التنازلي بأن الدول الأكثر عنوسة هي الجزائر، تونس، سوريا والعراق بالمرتبة نفسها، والامارات، وعلى رأس هذه البلدان يأتي لبنان، من دون أن تنسب هذه الأرقام الى مصدر أو دراسة. وكانت هذه الممارسات انتشرت أخيراً في وسائل التواصل الاجتماعي حيث عمد الناشطون إلى استغلال منصاتهم لنشر احصاءات غير مسندة الى حقائق علمية على قاعدة أن المحتوى الذي يحقق أكبرعدد من التفاعلات قادر على التحلي بمصداقية!
إلا أنّ خاتمة الفيديو التي أرجعت السبب في عدم زواج النساء الى “غلاء المهور وطلبات أم العروس” تعيد تسليع المرأة وترميها باللوم على اعتبار أنّها المسؤولة الوحيدة عن “عنوستها”. وكان الأجدى الإشارة الى غلاء المعيشة وارتفاع معدلات البطالة التي عادة ما تؤخر زيجات الرجال والنساء. فلا يكفي ما قام به هذا الفيديو من ترويج لفكرة “العنوسة” وتكريس تعريفاتها فحسب، بل قدم أسباباً لهذا الظاهرة تبرئ الحكومات وتضع المشكلة، مرة أخرى في المرأة!