من دار السلام إلى قلبي… هنا حيث تحوّل الحلم إلى دولة! بقلم زياد الخليل

صدى وادي التيم-راي حر بأقلامكم/

في عام 2001، أسّست عائلتي آل الخليل شركة البيبسي في تنزانيا. لم تكن البداية سهلة بدأنا بمبيعات متواضعة جدًا، لم تتعدَّ 3 ملايين صندوق سنويًا. لكننا حين اخترنا تنزانيا، لم نختر فقط سوقًا واعدة… بل اخترنا وطنًا ثانيًا.
سكنت تنزانيا لسنوات. تنفّست هواءها، تعلّمت من أهلها، مشيت على طرقاتها قبل أن تُعبد، ووقفت أمام بحرها حين كان الميناء متواضعاً. عدت إليها أكثر من مائتي مرة خلال 25 عامًا، وفي كل زيارة أشعر أنني أعود إلى نفسي. بلدٌ احتضننا… فبادلناه الوفاء.
واليوم، أصبحت SBC Tanzania تُنتج وتُوزّع أكثر من 70 مليون صندوق سنويًا من منتجات البيبسي، عبر 4 معامل تعبئة تُعدّ من الأفضل في شرق أفريقيا.
لكن هذا النجاح لم يكن مجرد مسألة إنتاج وتسويق. بل قصة ثقة طويلة الأمد… في دولة يُحترم فيها القانون، وتُحترم فيها العقود، وتُصان فيها الكرامة.
القانون والضرائب: أساس الثقة والاستثمار
أي مستثمر مسؤول لا يبحث أولًا عن الامتيازات، بل عن بيئة تحكمها القوانين والمؤسسات.
في تنزانيا، القضاء مستقل، المحاكم محترمة، والإجراءات واضحة. ولهذا، حين تدفع الضريبة، تعلم أنها تُعاد إليك على هيئة بنية تحتية ومدارس وكهرباء.
في العام المالي 2024/25، جمعت هيئة الضرائب التنزانية 6.622 تريليون شلن تنزاني — أي ما يعادل 2.58 مليار دولار أميركي — من الشركات والأفراد.
وهذا المبلغ، بدل أن يُنهب أو يتبخر، يُستخدم لتعبيد الطرق، بناء المدارس، تشغيل محطات الكهرباء، وتمويل شبكة السكك الحديدية.
سكك حديدية… وسدود تُنير القارة
في عام 2024، دشّنت تنزانيا خط قطار حديث بطول 600 كلم بين دار السلام ودودوما.
المشروع نفذته شركتان عالميتان: Yapi Merkezi التركية وMota‑Engil البرتغالية، بكلفة تجاوزت 3.1 مليار دولار. وتُكمل الدولة اليوم تمديد الخطوط إلى رواندا وبوروندي والكونغو.
أما على ضفاف نهر روفيجي، فقد أنشأت تنزانيا سد جوليوس نيريري، بقدرة تفوق 2,115 ميغاواط من الكهرباء الكهرومائية النظيفة.
المشروع العملاق نُفّذ من قبل تحالف مصري يضم المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، ويُنتج طاقة تُغطي الحاجة المحلية وتُصدَّر الفائض لدول الجوار — وكل ذلك بكلفة تشغيل لا تتعدى 4 سنتات أميركية/كيلوواط ساعة.
ولم تكتفِ تنزانيا بذلك، بل وضعت خطة لإضافة 2,463 ميغاواط من الطاقة الشمسية والرياح والغاز بحلول 2030.
الدخل الفردي: من الصعود في تنزانيا إلى الانهيار في لبنان
عام 2000، كان دخل الفرد في تنزانيا أقل من 400 دولار سنويًا. واليوم، بعد 25 سنة من السياسات التنموية، تجاوز 1,300 دولار سنويًا، بحسب البنك الدولي.
أما في لبنان، فالصورة معكوسة:
في عام 2000، بلغ دخل الفرد في لبنان نحو 9,180 دولار سنويًا — من الأعلى في المنطقة.
أما اليوم، فتُظهر بعض الإحصاءات الرسمية أن دخل الفرد الفعلي لا يتجاوز 600 دولار سنويًا — أي أقل من 50 دولار شهريًا.
في تنزانيا: دخل يرتفع بثقة.
في لبنان: دخل ينهار بصمت.
الواردات: بين التنمية… والضياع
في 2024، بلغت واردات تنزانيا من السلع والخدمات نحو 17.7 مليار دولار — جزء كبير منها موجه لدعم المشاريع الإنتاجية.
أما لبنان، فاستورد ما بين 15 و18 مليار دولار في العام نفسه — رغم أن عدد سكانه لا يتعدى 6 ملايين نسمة.
لكن الفارق أن تنزانيا تستورد لتُنتج وتُعمّر، بينما لبنان يستورد ليستهلك وليسرقه حكامه وينهار.
الضرائب في لبنان: مرآة فساد بنيوي
في 2023، لم تجبِ الدولة اللبنانية من الضرائب سوى 15.24 تريليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل 170 مليون دولار فقط بسعر الصرف الفعلي (89,000 ل.ل./دولار).
بينما تنزانيا، بثبات إداري ونظام قانوني، تجمع أكثر من 2.5 مليار دولار من ضرائب عادلة، تُستثمر في بناء الدولة.
الخلاصة: الفرق ليس في المال… بل في الإرادة
تنزانيا اليوم مثال على ما يمكن أن تفعله دولة حين تتبنى القانون، وتُشجّع الاستثمار، وتضع المواطن في قلب المعادلة.
أما لبنان، فبكل وجع القلب، يُدار بعقلية ما قبل الدولة، حيث الفساد محمي، والمحاسبة معدومة، والقرار ليس في يد الدولة.
تحية لشعب تنزانيا العظيم، الذي علّمني الكثير.
وتحية دامعة لوطني لبنان… الذي يستحق الحياة، لكنه يُذبح كل يوم، بصمت وتواطؤ.
تنزانيا اليوم بلد فقير سابقًا، قرّر أن ينهض.
بنى سككًا، شيّد سدودًا، استثمر في الطاقة، وارتفع دخل شعبه.
أما لبنان، فبلد غنّي سابقًا، اختار أن ينهار.
لا كهرباء، لا قطارات، لا قانون… لا كرامة.
تحية من القلب لتنزانيا، شعبًا وقيادةً، على ما يُنجزونه بعرقهم وشراكتهم.
وتحية حزينة لوطني لبنان… الذي يستحق الحياة، لكنه ما زال أسير طبقة لا تعرف إلا كيف تدفن الفرص.
تحية للجيش اللبناني في عيده.
يبقى وحده الخط الأحمر في وطن بلا خطوط.
زياد أنور الخليل



