عندما قالت الأشرفية كلمتها،حرب المئة يوم..بقلم ميشال جبور

صدى وادي التيم-متفرقات/
تبدأ الواقعة التاريخية من كلية الأركان العسكرية الأميركية للرتب العالية “ويست بوينت” حيث شائت الظروف أن يُرسل ضابط في الجيش اللبناني ضمن مجموعة ضباط لكي يحصلوا على التدريب في قتال الشوارع،وإذ به يقف بدهشة أمام مجسم ضخم للأشرفية بشوارعها،ليلتفت بهم الجنرال المدرب ويقول:”أمامكم منطقة الأشرفية في العاصمة اللبنانية التي تمكنت فيها الكتائب اللبنانية من طرد الجيش السوري رغم كل الحصار الخانق المفروض عليها وكثافة نيران الجيش السوري”.هذا الحديث الذي جرى سنة ٢٠٠١ بين الضابط اللبناني وراوي القصة يؤكد على مدى رمزية حرب المئة يوم كدرس في التاريخ القتالي الحربي الذي تعتمده إحدى أهم الكليات الحربية في العالم ويضيء على مدى بسالة الكتائب اللبنانية في دحرها لماكينة الحديد والنار السورية دفاعاً عن الأشرفية الأبية،فأصبحت حرب المئة يوم مفصلاً تاريخياً في كل الحروب.حرب المئة يوم لم تكن وليدة الساعة بل أتت بعد حرب السنتين الجائرة وبعد أن طفح الكيل من عدو متغطرس تطاول على أهالي الأشرفية بدءً من إتهامهم بالإنعزالية وصولاً إلى التعنت والإستفزاز والمواجهة أنفاً إلى أنف مع الشيخ بشير،فقد سئم الجميع من الوضع المكرب وأخذنا القرار بمواجهة السلاح السوري بعد أن لمسنا بأنه يريد الأشرفية ورقة بيده ليتوسع بقضم المناطق وإخضاعها لإحتلال لبنان والسيطرة عليه.البداية كانت في ثكنة الأشرفية تحت قيادتي حيث تم وضع الأسس لخطة محكمة على ثلاث مستويات،المستوى الأول وهو اللوجستي فإنكببنا على دراسة الخرائط والمواقع لكل مراكزهم وحواجزهم وحتى مركز قيادتهم الأم في بناية الباطون في منتصف شارع السيدة،أما المستوى الثاني وهو المستوى النفسي والمعلوماتي،فقد عملنا على دراسة أوضاعهم النفسية وخرق نظام معلوماتهم الإستخباري وذلك عبر زرع متعاونين معنا داخل مركز القيادة وكانوا آنذاك بقيادة نايف العاقل ومحسن سلمان،فنحن كنا بمواجهة قوات النخبة السورية فكنا نراجع كل معلومة ونتأكد من كل تقرير بأدق التفاصيل،أما المستوى الثالث وهو المستوى المادي والتسليحي والتجهيزي لنا فكان الرئيس جان ناضر هو الأب المشرف الذي رفدنا بذخائر تكفي لأشهر من القتال بالإضافة للعتاد والتجهيزات وكل الدعم المالي أتى من ثكنة الأشرفية،أما العديد فلا خوف،فكل الشباب وكل الثكنات كانت معنا بقرار واحد قاطع لا عودة عنه وهو دحر السوري وإخراجه من الأشرفية.وفي ١ تموز ١٩٧٨ وبعد شهرين من التحضير الحثيث كانت الشرارة التي أطلقت الوحش بداخلنا،فقد تم توقيف الشيخ بشير على أحد حواجزهم قرب مستشفى كرم واقتادوه إلى مبنى حبيس بالقرب من مستشفى رزق،يومها إستنفرنا على أعلى المستويات وترقبنا ساعة الصفر إلى أن تنصل منهم بشير بفطنته،فبدأت حرب المئة يوم وبدأ إطلاق النار.ثكنة الأشرفية كانت منبع الأبطال بكل أقسامها وكان الشباب يسطرون أروع لحظات القتال على كل الجبهات وصولاً إلى خطوط التماس،وللتاريخ ووفاءً لكل بطل من هؤلاء الأبطال الذين لا نظير لهم،نعود بالذاكرة وبالإمتنان لكل أقسام ثكنة الأشرفية العشرة وخاصة القسم السادس مع نبيل أيوب والسابع أي رفاقنا في البرجاوي والعاشر الذين أبدعوا على التباريس ومركز فرقة التيوس التي كانت تأتمر مني مباشرة في المتحف ومراكز الكتائب في كرم الزيتون وحي السيدة وفرقة الشليكو بقيادة الشهيد علي الدايخ وشباب القطاع ١٦ بأمرة ريمون حلو وإبراهيم حلو بنقطتهم الإستراتيجية بالقرب من مستشفى كرم وفرقة الأبونا في محلة سينما الليدو بشبابها من شرق صيدا ولبعا،شباب الثكنة كانوا يتوسطون الأشرفية،والذاكرة احياناً تخوننا ونذكر من القسم الأول أبو سعيد وأبو عاطف،من القسم الثاني إيلي أندريا ومن القسم الثالث بيار كحيل وشباب القسم كانوا بإمرة جورج نوار.قاتلنا من أجل إيماننا بالقضية وبالأشرفية بتصميم حازم وعناد أصلب من الصخر على جبهة عريضة جداً تبدأ من المتحف حتى التباريس مروراً بالسوديكو وصولاً إلى كرم الزيتون وشارع السيدة حيث كان التواجد المكثف للسوريين بقيادة النقيب محمد جملاق وأيضاً في محلة الكيك هاوس مقابل كنيسة السيدة بقيادة النقيب سلوم.عددنا لم يتخطى ال٢٠٠ مقاتل أمام جحافل نخبة رفعت وحافظ الأسد.فعمدنا إلى فصل المناطق والمحاور،ففصلنا ساسين عن كرم الزيتون حتى باتت مراكزهم ساقطة عسكرياً،ومركزهم في كرم الزيتون عزلناه وحرمناهم الإمدادات.شعروا بالإختناق وقاموا بانسحاب أولي تم تنفيذه بمباركة الشيخ بيار الأب والشيخ بشير والرئيس شمعون،والشهيد داني شمعون كان يرافقني طوال الوقت وشاهدنا سوياً إنسحابهم المذل بقوافلهم المليئة بالمسروقات.لكنهم كانوا يخططون خبثاً لإعادة إجتياح الأشرفية وهذا ما حصل في الأيام الأخيرة للحرب،فدكوا الأشرفية بقذائف ال١٨٠ وال٢٤٠ ليدمروها بحقدهم.حاصرونا ولكن الأهالي الذين لم نتركهم صمدوا معنا وخاصة أهالي الشهداء الذين كانوا على إستعداد للتضحية بأنفسهم من أجل النصر.فاستعان الرئيس جان ناضر بالشراء من سوبرماركت أمباسي المشهورة في ساحة ساسين كي نسد كل حاجات الأهالي،وإستعملنا كل موارد المرفأ والإهراءات كي لا تذهب سدى للتلف نتيجة الحصار والإجتياح الدموي الحاقد،وإستجلبوا فرقة من ضهور العبيدية ليخترقوا دفاعاتنا وتحصيناتنا،فعاشت الأشرفية ليالٍ بشعة لا قصف ولا دمار يضاهيها.ستالينغراد لم تكن بشيء أمام القذائف والرصاص الأهوج،ولكن ردنا كان حاسماً لأننا أصحاب القضية والأرض.إخترقنا أجهزتهم الأمنية باستخباراتنا عبر عناصر من داخل قيادتهم وعبر أجهزة التنصت فكنا نسبقهم دائماً بخطوات،وقد مدت لنا يد المساعدة من الأحرار والتنظيم وحراس الأرز،كنا نقاتل بوجه الوحدات الخاصة ووحدات النحبة التابعة لرفعت الأسد.كنت أقود ثكنة الأشرفية كجسم واحد ضارب،قاتلنا تحت لواء الكتائب وأوامري أتت مباشرة من بشير وكنت أجتمع بالرئيس شمعون الذي زاد من عزيمتنا في كثير من اللحظات وتبادلنا معه المشورة وهو الأب الذي كان يبث فينا روح الإستمرار والنضال،وكنا نضع أمامه كل المستجدات على كل الجبهات.كل أهالي الأشرفية إحتضنونا وصبروا معنا بوجه فوهات المدافع السورية وقد جهدنا في تأمين كل مستلزمات الصمود للأهالي ولم نتركهم.قاتلنا وكأنه آخر قتال نخوضه حتى أنهكنا ماكينة الحديد والنار السورية.وإستشهد البطل ميشال بارتي في آخر هجوم واسع شنّه السوريون وقد عاوننا مغاوير المجلس الحربي لأول مرة بعد أن شعّب السوري هجومه على عدة مداخل ومحاور مثل صيدلية بارتي ومستشفى كرم والليدو ظناً منه بأنه سيكسرإرادتنا لكنه تفاجأ بمدى بسالة الأبطال،وتعود بنا الذاكرة إلى فتاة كانت تعمل في صيدلية بارتي وقد وضعت رشاشاً قرب محطة الحاج مراد وساندتنا بما توفر لديها،هكذا كانت التضحيات في ذلك الزمن.فأمسكنا زمام الأمور وأنزلنا بآلة القتل السورية خسارة مزلزلة جعلت السوري يجر ذيول الخيبة.لقد إنتصرنا وكسرنا هيبة الجيش السوري،فكانت هزيمته بين الأول والثاني من تشرين الأول وذلك بقيادتي وكان إنتصاراً رائعاً للأهالي والقائد الحي فينا بشير ولكل الكتائب والأحزاب والتنظيمات.إنتصرت الأشرفية بوجه كل الثقل الحربي السوري وجبروته وإستكباره،فإنسحب مع دخول قوات الردع العربية بين السادس والسابع من تشرين الأول،وقد أبدت الكتيبة السعودية التي كانت لها اليد البيضاء إنبهارها وفخرها بمدى رباطة جأش الشباب،فتلاشت إسطورة الجيش السوري أمام الجيوش العربية.هذا هو عنفوان الأشرفية وهذه الحرب ذكراها خالدة وجبيننا عالٍ.
قائد ثكنة الأشرفية وحرب المئة يوم بكل فخر وعزة
،ميشال جبور




