الدولة أكبر المتخلفين عن دفع فواتير كهرباء لبنان .. بقلم أنديرا الشوفي

صدى وادي التيم – إقتصاد / 

في بلد يُطالَب فيه المواطن بتسديد فاتورة الكهرباء تحت طائلة قطع التيار، تقف الدولة نفسها في صدارة المتخلفين عن الدفع. فبحسب معلومات صحافية تداولتها الصحف اللبنانية، تخطت مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان على الإدارات الرسمية عتبة نصف مليار دولار، في مفارقة تختصر عمق الخلل في إدارة المال العام، وتطرح سؤالاً ملحاً: مَن يدفع ثمن عجز الدولة عن دفع فواتيرها؟

لم تعد المؤسسة تكتفي بالمطالبة، ففي 14 أغسطس/آب 2026 منح مجلس إدارتها كل الإدارات والمؤسسات العامة، بما فيها مصالح المياه والبلديات، مهلة خمسة أيام عمل تبدأ في 17 أغسطس/آب لتسديد متأخراتها، تحت طائلة قطع التيار، مع استثناء المستشفيات الحكومية لأسباب إنسانية. وفي 24 أغسطس/آب، بدأ التنفيذ الفعلي، إذ قطعت المؤسسة الكهرباء عن الجهات التي لم تسدد ولم تتواصل معها لتسوية أوضاعها أو طلب مهلة إضافية. وأكد مجلس الإدارة أن الهدف ليس القطع بحد ذاته، بل تحصيل الأموال العامة وتحقيق المساواة بين المشتركين.

وتتداول بعض المعلومات عن وصول القطع إلى مجلس النواب والسراي الحكومي ودوائر رسمية أخرى بسبب الفواتير غير المسددة، وهو مشهد غير مألوف في دولة اعتادت أن تكون استثناء من قواعد الدفع. إلا أن الحملة لم تخلُ من الاعتراضات، إذ يرى منتقدون أن مصالح المياه، شأنها شأن المستشفيات، ترتبط مباشرة بصحة الناس ولا يجوز قطع الكهرباء عنها.

ولا تقع المسؤولية على الإدارات المتخلفة وحدها، بل تأخرت مؤسسة كهرباء لبنان لسنوات في إصدار فواتيرها، ووصل الأمر أحياناً إلى إعادة إصدار فواتير سبق تسديدها. وينعكس هذا التأخير مباشرة على الموازنة: فالإدارات ترصد اعتماداتها للكهرباء على أساس فواتير السنة السابقة، ومع غياب الفوترة المنتظمة يتعذّر عليها تقدير ما ستحتاجه، فتتراكم المتأخرات من دون أن تكون لها اعتمادات مخصصة.

وبالتوازي مع حملة قطع التيار الكهربائي، أعلنت المؤسسة خطوات أخرى لتحسين الجباية، من بينها البدء بتحصيل فواتير الاستهلاك في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وتكثيف إزالة التعديات على الشبكة. ويأتي ملف ديون الكهرباء في توقيت بالغ الحساسية، فقد دخل لبنان عام 2026 بعد نمو قُدّر بنحو 4.2% في 2025، وهو الأعلى منذ أزمة 2019، قبل أن تقلب الحرب التي اندلعت في 2 مارس/آذار المشهد.

ويتوقع البنك الدولي الآن انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4% هذا العام، بعدما شرّدت الحرب نحو 1.2 مليون شخص وأوقفت النشاط السياحي. وعلى صعيد المالية العامة، حذر صندوق النقد الدولي من الضغوط التي ستفرضها زيادة أجور القطاع العام والمعاشات التقاعدية التي أُقرت في فبراير/ شباط، والتي كان يفترض تمويلها برفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12%. كما يشير البنك الدولي إلى أن الدين العام لا يزال غير مستدام، وأن مفاوضات إعادة هيكلته لم تنطلق بعد.

أما كلفة الطاقة، فتبقى رهينة التطورات الإقليمية، إذ أنهى خام برنت في أكتوبر/ تشرين الأول عند أعلى مستوى في ستة أشهر مقترباً من 120 دولاراً، قبل أن يتراجع يوم الاثنين بنحو 6.6% إلى قرابة 106 دولارات مع عودة التفاؤل بالمسار الدبلوماسي. وانعكس ذلك جزئياً على جدول المحروقات الصادر يوم الثلاثاء، الذي خفض سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان بمقدار 42 ألف ليرة إلى 2,569,000 ليرة، فيما ارتفعت قارورة الغاز 65 ألف ليرة.

ويكشف ملف ديون الكهرباء أن أزمة القطاع لا تختصر بنقص الفيول أو ساعات التقنين، بل تمتد إلى علاقة مالية مختلة بين الدولة ومؤسساتها. وفي ظل حرب تستنزف الاقتصاد وموازنة تعتمد على إيرادات محدودة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح حملة الجباية في فرض قاعدة “من يدفع يحصل على الكهرباء” على الجميع، بمن فيهم الدولة نفسها؟

العربي الجديد – أنديرا الشوفي 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!