جولة إيران الثانية على الأبواب.. لبنان يتلقى الإنذار !

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
وصلت إلى بيروت في الأسابيع الأخيرة، من أكثر من عاصمة، إشارات متقاطعة إلى جولة جديدة من المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، تتراوح التقديرات حول موعدها بين منتصف تشرين الثاني ونهايته. لا أحد يملك رزنامة مؤكدة، ولا يعوّل أحد في بيروت على أن موعداً محدداً يصمد حتى يوم تنفيذه. لكن التقاء الإشارات على الاتجاه نفسه هو المعطى الأهم، لأن الدبلوماسية نادراً ما تتفق على رواية واحدة ما لم تكن تقرأ من أوراق متشابهة.
في المقابل، يلتزم حزب الله صمتاً لا تثقبه التسريبات. يرفض، بحسب المعطيات، إطلاع أي جهة، لبنانية أو غير لبنانية، على ما سيفعله إن بدأت الحرب. وفي المقابل تتحدث تقارير استخبارية غربية عن جبهة جرى تحصينها وتجهيزها بدعم من دولة إقليمية.
لا يصح أن يُقرأ هذا الصمت على أنه علامة قرار مسبق بالمشاركة أو بالامتناع. الغموض نفسه جزء من الردع. فكل طرف يعجز عن تقدير ما سيفعله الحزب يضطر إلى بناء خططه على أسوأ الاحتمالات، وهذا ما يريده الحزب بالضبط، سواء كان ينوي القتال أم لا.
وبيان الأمين العام الشيخ نعيم قاسم الأخير يوضح إطار الحسابات لا قراراتها. فقد رفض أي نقاش في السلاح ما دام الاحتلال موجوداً كما قال، وأسقط شرعية اتفاق الإطار، وسمّى الاتفاق الإيراني الأميركي ب”مصدر القوة الوحيد المتاح”، بل نسب إليه خفض مستوى العدوان على لبنان بعد مذكرة التفاهم. وفي هذه الصياغة أمران. الأول أن الحزب يقيس وضعه اللبناني بمقياس التفاوض بين طهران وواشنطن. والثاني أن طهران، كما يعرضها قاسم، تضع وقف العدوان على لبنان في صدارة أولوياتها. وهذا يعني أن لبنان جزء من الورقة الإيرانية، وأن الورقة التي تُستعمل في التفاوض قد تُستعمل في التصعيد أيضاً. فإذا انهار المسار التفاوضي، سقطت المظلة التي يستند إليها الحزب في خطابه.
من الجهة الأخرى، لا يوحي ما قيل في مؤتمر “من أجل الشمال” في حيفا بأن إسرائيل اطمأنت إلى جبهتها الشمالية. فهناك قيل إن الجيش الإسرائيلي اكتشف في آذار 2026 أن آلاف عناصر الرضوان عادوا إلى جنوب لبنان وكأن الحرب لم تقع، مع ترجيح بأن يبقى الجيش في المنطقة الأمنية أشهراً طويلة، وأن احتمال تفكيك الحزب ضعيف جداً.
ولهذا الكلام وزن يتجاوز قائله. فهو يعبّر عن مأزق يعيشه صاحب القرار في تل أبيب. نحو سبعين ألف إسرائيلي أُجلوا مدة طويلة عن الشمال ولم يعد نصفهم بعد، وحكومة جديدة تواجه اتهاماً بأنها لا تقدم لهم أفقاً. في مثل هذا الوضع تتحول الحرب على إيران إلى فرصة، لا إلى عبء فحسب. فالحرب تتيح تثبيت وقائع في الجنوب لم تستطع المفاوضات فرضها، وتتيح الضغط على الحزب في توقيت يكون فيه راعيه الإقليمي مشغولاً بنفسه. وليس في ذلك دليل على أن القرار قد اتُّخذ، لكنه يفسر لماذا تبدو تل أبيب غير مستعدة لفصل الجبهتين.
أما حدود الأهداف فتتضح من رسالة وصلت إلى بيروت في شباط الماضي. فقد قال مسؤولون إن إسرائيل أبلغتهم أنها قد تستهدف منشآت عامة في بيروت، ومنها المطار إذا انخرط الحزب في مواجهة مع إيران. هذا التحذير ليس جديداً، لكنه لم يُسحب. وهو يعني أن بنك الأهداف الإسرائيلي لا يقتصر على مخازن السلاح ومنصات الإطلاق، بل يضم ما يجعل الدولة تدفع كلفة قرار لا تشارك فيه.
وفي هذا السياق جاء تحذير وزير الخارجية يوسف رجي، قبل أيام، من أن الحزب قد يجرّ لبنان إلى حرب ثالثة بتوجيه من طهران، فيما يراوح الاتفاق الإطار الموقّع في حزيران مكانه. كلام الوزير موجه إلى الخارج بقدر ما هو موجه إلى الداخل، وهدفه تسجيل أن الدولة لم توافق ولم تُستشر.
ومن الجهة المقابلة يرفض الحزب الاتفاق الذي تقوم عليه سياسة الدولة الخارجية، ويعتبره مخالفاً للدستور والطائف. المشكلة هنا أبعد من خلاف سياسي. فالطرفان لا يتفقان على من يملك قرار الحرب والسلم، وإسرائيل تعرف ذلك وتبني عليه. فهي إن ضربت الدولة فلأنها ترى أن الدولة لا تضبط السلاح، وإن امتنعت فلأنها تراهن على أن الدولة لن تستطيع ضبطه أصلاً.
يمكن حصر الاحتمالات في ثلاثة. الأول أن يبقى الحزب خارج المعركة ويكتفي بالتضامن السياسي، فتكتفي إسرائيل بضربات محدودة على الجنوب والبقاع. وهذا أفضل الاحتمالات للبنان، وليس أرجحها. الثاني أن يدخل الحزب بشكل محسوب، فيرد الإسرائيلي بما هو أوسع، ويتسع الاستهداف إلى مرافق الدولة. والثالث أن تبادر إسرائيل إلى توجيه ضربة استباقية للحزب قبل أن يتخذ قراره، وهو ما يغلق باب الاختيار على الجميع.
في كل هذه السيناريوهات يبقى اللبناني الذي لم يشارك في أي قرار هو من يدفع الكلفة. ولا يغيّر شيئاً في الأمر أن موعد تشرين الثاني قد يتأخر أو يتبدد. فالمطلوب قبل ذلك أسئلة محددة يجب أن تجيب عنها الدولة: ما الخطة لاستمرار المطار والمرفأ والكهرباء إن أُصيبت؟ ومن يتحدث باسم لبنان إلى الأميركيين والأوروبيين والعرب في الساعات الأولى؟ وما الذي يجري إبلاغه إلى الحزب، وبأي لغة؟ هذه أسئلة تُطرح قبل الحرب لا بعدها، لأن الإجابة عنها بعد سقوط الصواريخ تأتي متأخرة.



