خريطة شبكات تهريب البشر بين سوريا ولبنان

الثابت، وفق شهادات من الحدود الشمالية ومن أشخاص على معرفة مباشرة بعالم التهريب، هو أن اجتياز الحدود ليس سوى الحلقة الأولى، بعدها يبدأ الجزء الأقل ظهورًا: من يستلم العابر؟ أين ينتظر؟ من يؤمّن السيارة؟ كيف تُختار الطرق؟ ومن يوصله إلى بيروت أو إلى وجهته النهائية؟

تحقيق يمتد من وادي خالد والعبودية إلى جرود البترون وبيروت، ويجمع شهادة سوري عبر الحدود أكثر من مرة، ومصدر ميداني، وشخص مطلع على طرق التهريب، وصولًا إلى شهادة مهرّب من داخل هذا العالم، يرسم صورة لنشاط لا يقوم، وفق هذه الروايات، على شخص واحد يقود مجموعة عبر الحدود، بل على سلسلة من الأدوار تبدأ أحيانًا قبل الوصول إلى لبنان وتستمر بعده.

والتطور الأمني الأخير في العبودية أضاف مسارًا آخر إلى الصورة: هذه المرة لم تكن الوجهة بيروت، بل البحر… ومنه قبرص.

ثلاث ساعات في الجبال ثم النهر

في وادي خالد، تبدو الجغرافيا جزءًا من القصة. مسالك جبلية، نهر، قرى متداخلة وعلاقات عائلية واجتماعية قديمة بين جانبي الحدود. في هذه البيئة، لا يوجد طريق واحد يمكن إقفاله لإنهاء حركة العبور.

أحد السوريين الذين تحدثنا إليهم يقول إنه عبر الحدود أكثر من مرة. في إحدى الرحلات، جاء من تل كلخ باتجاه الدبابية.

«مشيت تلات ساعات بالجبال»، يقول، قبل أن يصل إلى النهر ليجده مرتفع المنسوب. ومع ذلك أكمل: «دخلت بالمي لحتى أقطع النهر».

لا توجد تعرفة موحدة للرحلة. الشهادات التي جمعناها تتحدث عن مبالغ تختلف بحسب نقطة الانطلاق والمسافة والخدمة: عشرات الدولارات في بعض مراحل العبور، فيما قد ترتفع الكلفة إلى 150 أو 200 دولار في رحلات أطول أو أكثر تعقيدًا.

أحد المطلعين على طرق التهريب يتحدث عن استخدام حبال لعبور النهر عندما يسمح منسوب المياه بذلك، وعن مسارات تتبدل بحسب الفصل والرقابة الأمنية.

لكن عبور النهر لا يضمن الوصول.

الشاهد السوري يروي عن رجل يعرفه كان عائدًا إلى لبنان بعد تلقي العلاج في سوريا. والدته عبرت النهر، أما هو فغرق.

وعندما يُسأل الرجل لماذا يخاطر، تأتي الإجابة ببساطة: «جايي تا عيش ما عندي رأس مال. جايي نشتغل نعيش أولادنا». هذه هي صورة العابر.لكنها ليست صورة الشبكة.

على الضفة الأخرى هناك من ينتظر

اللحظة الحاسمة في تتبع مسار التهريب تبدأ بعد اجتياز الحدود. شخص لديه خبرة بالمهربين يصفها بجملة قصيرة: بعد أن «ينفذ» العابر، يجد سيارة تأخذه.

مصدر ميداني رافقنا في وادي خالد يقدم الرواية نفسها: البعض لا يتابع الطريق بصورة عشوائية بعد دخوله لبنان. سيارات تستلمهم بعد تجاوز المسالك، ومنها تبدأ مرحلة ثانية باتجاه الداخل. هذه الجزئية لا تستند إلى المصادر فقط.

في أيلول، أوقفت قوى الأمن الداخلي سائقًا لبنانيًا في كفرحلدا – البترون، وعلى متن سيارته 13 سوريًا، بينهم امرأة وبحسب التحقيق الذي أعلنته قوى الأمن، كان الرجل ينقلهم من المنطقة الحدودية إلى بيروت عبر طرقات جرود البترون بهدف تفادي الحواجز الأمنية.

هذه الواقعة مهمة لأنها توثّق رسميًا ما تصفه الشهادات ميدانيًا: الوصول إلى لبنان لا يعني انتهاء عملية التهريب. بل قد يعني انتقالها إلى يد أخرى.

من حمص تبدأ إحدى الرحلات

في محاولة لفهم ما يجري خلف الحدود، وصلنا إلى مهرّب تحدث بالتفصيل عن إحدى الآليات المستخدمة. وفق روايته، تبدأ بعض الرحلات من نقطة تجمع في حمص، حيث يُجمع الركاب قبل نقلهم باتجاه الحدود. يتحدث عن مبلغ يراوح بين 80 و100 دولار في إحدى مراحل الرحلة على الجانب السوري، مع اختلاف السعر تبعًا لعدد الأشخاص والمسار والخدمة المطلوبة.

عند الوصول إلى النهر تنتهي مهمة شخص، وتبدأ مهمة آخر. بعد اجتياز الحدود، يقول المهرّب إن شخصًا على الجانب اللبناني يتولى استلام القادمين ونقلهم إلى نقطة انتظار. في قاموس العاملين في هذا النشاط، لهذه النقطة اسم: «المطبّ».

«المطبّ»: محطة غير ظاهرة

ليس «المطبّ» معبرًا ولا وجهة نهائية. إنه منزل أو مكان انتظار مؤقت، وفق الشهادات، قد يكون في العبودية أو حلبا أو محيطهما، يبقى فيه القادمون أحيانًا ثلاث أو أربع ساعات إلى حين تأمين السيارة التي ستنقلهم في المرحلة التالية.

هذه المحطة تكشف طبيعة مختلفة للعملية. فلو كانت القضية مجرد مهرّب يعرف مسلكًا حدوديًا، لانتهت مهمته عند النهر. لكن وجود مكان انتظار، وشخص للاستلام، ووسيلة نقل تأتي لاحقًا، يعني أن العملية تحتاج، على الأقل في الحالات التي وثقتها الشهادات، إلى تنسيق بين أكثر من طرف.وهنا تبدأ الرحلة الثالثة.

17 شخصًا في سيارة

يقول المهرّب إن بعض السيارات كانت تنقل 17 أو 18 شخصًا في الرحلة الواحدة. وبحسب شهادته، كان بدل إحدى مراحل النقل يناهز 30 دولارًا عن الشخص، أي مئات الدولارات للسيارة الواحدة. لكن الوصول إلى بيروت لا يتم دائمًا عبر الطريق الأكثر مباشرة. المسار الذي يصفه المهرّب يكاد يكون خريطة لتفادي نقاط الرقابة: المنية – الضنية بدل دير عمار، ثم طرق جرود البترون لتجنب المدفون، وصولًا إلى عمشيت، ومنها جنوبًا باتجاه بيروت.

واللافت أن جزءًا من هذه الرواية يتقاطع مع الواقعة التي أعلنتها قوى الأمن: السائق الذي أوقف في البترون كان، وفق التحقيق الرسمي، يستخدم طرق جرود البترون تحديدًا لتفادي الحواجز وهو ينقل السوريين إلى بيروت. أما في العاصمة، فتتحدث شهادة المهرّب عن نقطتي الدورة والكولا كمحطات وصول لبعض الرحلات، قبل أن يتفرق الركاب بحسب وجهاتهم.

عندما يتشدد الحاجز تتكيّف الشبكة

المعادلة بسيطة: كلما أصبحت طريقة مكشوفة، يجري البحث عن بديل. المهرّب يقول إن تشدد الجيش على الحواجز صعّب استخدام الأساليب القديمة فبدل وضع 17 أو 18 شخصًا في سيارة واحدة، أصبح بعض الناقلين، وفق روايته، يستخدمون فانات النقل المشترك ويوزعون الركاب: خمسة هنا، ستة هناك، ثم مجموعة ثالثة في فان آخر.

الغاية ليست فقط تقليل الشبهات. إنها أيضًا توزيع الخسارة. فإذا أُوقف فان، لا تسقط الرحلة كلها، ويمكن للمجموعات الأخرى متابعة الطريق.

الرواية للمهرّب، لكنها تقدم تفسيرًا لكيفية تكيف النشاط مع الإجراءات الأمنية: الحاجز قد يغيّر الطريق، لكنه لا يلغي بالضرورة الطلب على التهريب أو قدرة القائمين عليه على البحث عن طريقة أخرى.

الراكب يعبر خلسة وحقيبته «نظامية»

من أكثر التفاصيل إثارة للاهتمام ما رواه مصدر مطلع عن أمتعة العابرين. عبور النهر والجبال بحقيبة ثقيلة ليس سهلًا. لذلك، بحسب المصدر، ظهرت خدمة إضافية. يسلم العابر حقيبته إلى شخص آخر. تُفتح أحيانًا أمامه، وتوثق محتوياتها، ثم تُنقل بصورة منفصلة. الشخص يعبر الحدود خلسة. أما الحقيبة، وفق الرواية، فقد تدخل لاحقًا في سيارة تعبر بصورة نظامية، قبل أن تُعاد إلى صاحبها في لبنان مقابل بدل إضافي.

ويتحدث المصدر عن إمكان جمع عدد من الحقائب في الرحلة الواحدة. لم نتمكن من توثيق هذه الآلية لدى جهة رسمية، وبالتالي تبقى معلومة مصدر. لكنها، إن صحت، تكشف شيئًا أبعد من مجرد عبور أشخاص: هناك خدمات إضافية تنشأ حول التهريب، ولكل خدمة كلفتها وطريقتها.

بعد الوصول

هل تنتهي العلاقة مع الشبكة عندما يصل العابر إلى بيروت؟ مصدر ميداني يقول إن الأمر لا يحدث دائمًا بهذه الطريقة. فبحسب روايته، هناك وسطاء يساعدون بعض الداخلين في الوصول إلى فرص عمل، وذكر من بين الوجهات الجنوب والضاحية والبقاع: «بيأمّنولن شغل بالجنوب، بالضاحية، بالبقاع وين ما بدك»، يقول. لا يوجد ما يثبت أن كل الداخلين يمرون بهذه الآلية، أو أن جهة واحدة تدير مختلف المراحل. لكن تكرار وظائف محددة في الشهادات يسمح برسم هيكل تقريبي للعملية:

تجميع في سوريا، مهرّب حدودي، نقطة عبور، شخص للاستلام في لبنان، نقطة انتظار، سائق أو فان، وسيط، ثم وجهة نهائية.السؤال الأصعب يبدأ هنا: هل هذه مجرد حلقات تتعاون ظرفيًا، أم شبكة ذات إدارة أعلى؟

أسماء من داخل الشبكة

خلال مقابلتنا مع المهرّب، لم يتحدث فقط عن آلية العمل. سمّى أشخاصًا قال إنهم يعملون في الاستلام أو النقل أو تأمين نقاط انتظار، ووردت في شهادته أسماء وسيم خلف، نزيه البعريني ومحمد عياش، إلى جانب أشخاص أشار إليهم بألقاب أو انتماءات عائلية، بينها «الشويش» و«بيت الكردة».

200 أم 3 آلاف يوميًا؟

حتى حجم الظاهرة نفسه موضع اختلاف. مصدر ميداني قدّر عدد العابرين بنحو ألفين إلى ثلاثة آلاف شخص يوميًا في الاتجاهين، مع حركة أكبر نحو لبنان. المهرّب الذي قابلناه أعطى رقمًا مختلفًا جذريًا: 200 إلى 300 شخص يوميًا عبر العبودية ووادي خالد. الفارق عشرة أضعاف تقريبًا.

العبودية مجددًا ولكن الوجهة قبرص

وبينما كان التحقيق يتتبع الطريق من سوريا إلى الداخل اللبناني، جاء تطور أمني جديد ليضيف اتجاهًا معاكسًا إلى الخريطة. في 6 تشرين الأول، أعلنت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي إحباط عملية تهريب أشخاص بحرًا إلى قبرص. البداية كانت، مرة أخرى، من العبودية – عكار. بحسب قوى الأمن، دهمت القوة منزلًا في البلدة، فعثرت داخله على 10 سوريين، بينهم أربع نساء وطفلان.

لم يكونوا قد وصلوا للتو إلى لبنان وفق الرواية الأمنية. كانوا ينتظرون مرحلة أخرى: نقلهم من المنزل إلى الساحل، ومنه في رحلة بحرية باتجاه قبرص.والسعر هذه المرة مختلف تمامًا. خمسة آلاف دولار عن الشخص، وفق ما أظهرته التحقيقات الأولية التي أعلنتها قوى الأمن.

أي أن المجموعة وحدها تمثل، نظريًا، خمسين ألف دولار إذا كانت التعرفة تنطبق على الأشخاص العشرة جميعًا.

وأكدت قوى الأمن أن العمل مستمر لتوقيف بقية المتورطين.

لا توجد لدينا معطيات تسمح بالقول إن هذه المجموعة مرتبطة بالمهرّبين الذين تحدثنا إليهم أو بالشبكة التي تصفها شهادات التحقيق. الربط بين الملفين من دون دليل سيكون استنتاجًا غير مهني.

لكن المكان وطريقة العمل يطرحان سؤالًا لا يمكن تجاهله.

في شهادات تحقيقنا، العبودية محطة في مسار سوريا ← لبنان ← الداخل.

وفي العملية الأخيرة، أصبحت المنطقة محطة في مسار آخر: العبودية ← الساحل ← قبرص.

أي أن المشكلة لا تتعلق بخط واحد… إنها سوق تتبدل فيها الوجهة بحسب الزبون والسعر والفرصة.

صناعة لها أسعارها

عند جمع الشهادات، تظهر صورة اقتصادية لافتة. 80 أو 100 دولار في مرحلة. 150 أو 200 دولار في رحلة أخرى. نحو 30 دولارًا لنقل الراكب في مرحلة داخل لبنان. بدل إضافي للحقيبة. ثم خمسة آلاف دولار في العملية البحرية التي أحبطتها قوى الأمن. لا يوجد «سعر للتهريب».

هناك سعر لكل حلقة.

وهذا تحديدًا ما يحوّل السؤال من مهرّب إلى شبكة. لأن الشخص الذي يقود العابر إلى النهر لا يستطيع وحده، بالضرورة، أن يجمع ركابًا في حمص، ويؤمن عبورهم، ويستلمهم في لبنان، ويضعهم في منزل انتظار، ويؤمن سيارة، ويعرف الطريق الذي يتفادى الحواجز، ثم يجد لهم وجهة.

كلما زاد عدد المراحل، زاد عدد الأشخاص الذين يجب أن يعرف أحدهم بالآخر، أو أن يصل بينهم وسيط.

من هو الرأس؟

هنا يصل التحقيق إلى حدوده. لدينا مسارات. لدينا أسعار. لدينا شهادات من عابرين ومصادر ميدانية وشخص من داخل عملية التهريب. لدينا أسماء وردت في تلك الشهادات. ولدينا عمليات أمنية تثبت أن بعض الداخلين يُنقل بعد الحدود ضمن سيارات باتجاه بيروت، وأن عملية أخرى كان يجري التحضير لها من العبودية باتجاه قبرص.

قد نكون أمام شبكات تتعاون عند الحاجة، أو أمام مجموعات منفصلة تشتري الخدمات من بعضها، أو أمام بنية أكبر من هنا مسؤولية الأجهزة الأمنية والقضاء.

لأن توقيف العابر يوقف شخصًا. وتوقيف السائق يوقف رحلة. وإغلاق المعبر يوقف طريقًا. أما السؤال الذي بقي مفتوحًا بعد تتبع الرحلة من حمص إلى النهر، ومن العبودية إلى بيروت، وصولًا إلى العملية الأخيرة باتجاه قبرص، فهو: من يربط كل هذه الحلقات ببعضها؟ المعبر يتغير. الطريق يتغير. السيارة تتغير. والوجهة قد تتغير. لكن إذا بقيت الشبكة، تبدأ الرحلة من جديد.

ندا الوطن – جوزيان الحاج موسى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!