ثلاثة قتلى ومختبرات صامتة… فمن قاد “سيارة الموت” في الشياح؟

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
سيارة مصفّحة تصدم دراجة نارية، ومسلّح ينزل منها ليطلق النار، ثم سائق يفرّ والدراجة عالقة تحت السيارة، ويطلق النار على ملاحقيه. بهذه الوقائع، أعادت قاضية التحقيق في جبل لبنان ميراي ملاك رسم مشهد جريمة الشياح الثأرية التي وقعت في 16 آذار 2026، وأودت بحياة الشقيقين مروان ف. ومحمود ف.، ورضا م. الذي صادف مروره في المكان.
وأصدرت القاضية قراراً ظنياً اعتبرت فيه فعل باسل ح. والسوري رفعت ع. جناية قتل عمد عن سابق تصور وتصميم، بعدما تابعت التحقيق بالشهادات والاتصالات والصور والتسجيلات، وسط تضارب في وصف سائق السيارة وغياب جواب فني عن بصمات كان يُفترض أن تساعد في تحديد هويته.
بدأت القضية عند الساعة 13:50، حين وردت إلى فصيلة الغبيري معلومات عن إطلاق نار في شارع المصبغة في الشياح. وفي المكان، عثرت القوى الأمنية على بقع دماء وآثار طلقات ومظاريف كلاشينكوف، بينها 28 مظروفاً نحاسياً.
وبحسب ما خلص إليه القرار، صدمت سيارة نيسان باترول مصفّحة سوداء محمود وهو على دراجته النارية، ثم صدمت رضا. ونزل باسل من المقعد المجاور للسائق وأطلق النار عليهما، ثم على مروان، فقتل الضحايا الثلاثة. وبعد إطلاق النار والدهس، انطلقت السيارة مسرعة والدراجة عالقة تحتها.
وقالت شقيقة الضحيتين، مريم ف.، إن أشقاءها تلقّوا تهديدات بالقتل في اليوم السابق للجريمة، وإن باسل أطلق النار نحوها حين حاولت حماية محمود، من دون أن يصيبها. وربطت الاعتداء بمقتل والد باسل، شقيق جعفر ح.، قبل نحو سنة.
ولم ينتهِ إطلاق النار في شارع المصبغة. فخلال الفرار، اصطدمت السيارة بسيارات عدة، وأنزل السائق باسل، ثم واصل طريقه. وعندما لاحقه أشخاص على دراجات نارية، أطلق النار لإبعادهم، قبل أن يُعترض طريقه في الطريق الجديدة.
وروى أحد الشهود أنه لحق بالسيارة حتى اصطدمت بسيارة كيا قرب التعاونية، ثم فتح باب السائق، فرأى رجلاً يحمل مسدساً شهره في وجهه وأطلق النار في الهواء. وقال شاهد آخر إنه رأى السيارة تدخل مفرقاً بعكس السير، وسائقها يطلق النار من كلاشينكوف على ملاحقيه. وتمكّن عنصر في الجيش من رفع البندقية وانتزاعها من يده، لكن السائق أفلت باتجاه طريق المطار.
وعند الساعة السادسة مساءً، عثرت فصيلة الأوزاعي على السيارة مركونة في زاروب قرب شركة “ستار غاز”. كان زجاجها الأمامي والأيمن مكسوراً، وإطارها الخلفي الأيسر فارغاً من الهواء. وضُبطت داخلها جعبة عسكرية فيها ثلاثة مماشط محشوة، وجهازا لاسلكي وقنبلة يدوية.
وثبتت بالصور وتسجيلات المراقبة هوية باسل كمطلق للنار. وفي تسجيل صوتي أُرفق بمذكرة الدفاع، شرح دوافعه الثأرية، وقال إنه كان برفقة شخص يُدعى “أبو صالح”، وإنه أخذ السيارة المصفّحة من معرض عمه من دون أن يسأله، كما اعتاد أن يفعل.
أما هوية السائق، فكانت العقدة الأبرز في التحقيق. فقد تعرّف ثلاثة شهود من الجيش والقوى الأمنية إلى جعفر من صورته، لكنهم تناقضوا في وصف ملابسه وهيئته. وقال اثنان إنه كان يرتدي ثياباً زيتية أو كاكية، فيما وصفه الثالث بأنه يرتدي الأسود. كما اختلفت أوصاف شعره وذقنه. وأفاد أحدهم بأن ورقة تحت الزجاج الأمامي كُتب عليها “إنا من المجرمين منتقمون”.
ولحسم هذه التناقضات، كلّفت القاضية شعبة المعلومات، في 30 حزيران، ضبط البندقية المنتزعة من يد السائق ورفع البصمات عنها وعن مقود السيارة وباب السائق من الداخل، والتحقّق من إمكان فتح الباب من الخارج. وأظهر تسجيل مصوّر أن الباب يُفتح، لكن جواب المختبرات عن البصمات لم يصل.
وفي 20 آب، طلبت القاضية من الفرع الفني في مخابرات الجيش تحديد هوية السائق من الصور ومقاطع الفيديو. وجاء الرد في 15 أيلول بوصف الصور، من دون التوصل إلى نتيجة بشأن هويته وأوصافه. كذلك، لم يتمكّن فرع المعلومات من تحديده، رغم وضوح تفاصيل السيارة وبقاء وجهه غير واضح.
وفي مقابل الاتهامات، أيّدت شهادات وتسجيلات رواية وجود جعفر في معرضه وقت الجريمة، ولم تُظهر دراسة اتصالاته وجوده في الشياح أو الطريق الجديدة أو طريق المطار. كما أقرت مريم أمام المفرزة بأنها لم تره يقود السيارة.
وانتهى القرار، الصادر في 8 تشرين الأول، إلى اعتبار فعل باسل ورفعت، اللذين لا يزالان متواريين، جناية وفق المادة 549 من قانون العقوبات، والظن بهما بجنحة المادة 72 من قانون الأسلحة. ومنعت القاضية المحاكمة عن جعفر في جرم القتل لعدم كفاية الدليل، وظنّت به بجنحة أسلحة لعدم إبراز ترخيص للمسدس المضبوط معه، وقررت إخلاء سبيله بكفالة قدرها 50 مليون ليرة، وإعادة الملف إلى النيابة العامة لإيداعه المرجع المختص.



