“تالا – حارسة الياسمين” الطفلة التي قُتِلت في أحداث السويداء تفتّحت جائزة باسمها لرسالة اللاعنف بدعم من AUNOHR

صدى وادي التيم – أخبار العالم العربي/
شهد “مسرح كرتون” في السويداء في سوريا، في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2026، حفل إعلان نتائج النسخة الأولى من جائزة “تالا – حارسة الياسمين للّاعنف” للعام 2025–2026، تزامنًا مع “اليوم العالمي للّاعنف” في 2 أكتوبر من كلّ عام.
تحمل الجائزة اسم تالا الشوفي، الطفلة الصبيّة التي رحلت ضحيةً للعنف الذي شهدته محافظة السويداء مؤخّرًا، والتي أطلقتها عائلتها باسمها تكريمًا لمبادرات تأسّست بتحفيز ودعم من الأسرة لزرع ثقافة اللاعنف والجمال الإنساني في المجتمع.
[وُلدت تالا في محافظة السويداء سنة 2010. عُرفت بمواهبها الفنية المتعددة في العزف وكتابة وتلحين الأغاني الداعية للسلام. استُشهدت في 16 تموز/يوليو 2025 إثر إصابتها برصاص مباشر في السويداء.]
جامعة AUNOHR كانت احتضنت نسرين والدة تالا للدراسة والتخرّج بشهادة دبلوما جامعيّة في “ثقافة اللاعنف وحقوق الإنسان”، التي باتت من أسرة الجامعة وزميلة عزيزة لسائر الطالبات والطلاب، والجميع تأثّر بخيار نسرين في أن تتسجّل فورًا بعد مقتل ابنتها لدراسة اللاعنف. وقد ساندت الجامعة، بمحبّة ومتابعة دؤوبة وعطاء طوعيّ، الجائزة والمبادرات، وقدّمت الأفكار والتدريب والمنح وتشكيل لجنة تحكيم، وواكبت القصة منذ البداية إلى الاحتفال الأول للجائزة.
بحضور أسرة تالا ورفاقها الشباب وأهل المنطقة، ومنظّمي المبادرات، وعدد من الشركاء، افتُتح الحفل بأداء كورال لأغنية كتبتها ولحّنتها تالا بعنوان “كانوا لياسمينك حرّاس”.
ثمّ ألقى غيث الشوفي، شقيق تالا، كلمة استعاد فيها كلمات كتبتها تالا عن المحبة وقوة الروح ورفض العنف، وقال إن “هذه الجائزة ليست مجرّد تكريم. هي عهد. عهد بأن تبقى تالا حاضرة في ما نفعله، لا فقط في ما نتذكره. عهد بأن يكون اسمها مرتبطًا بالحياة، لا بالموت؛ بالياسمين، لا بالعنف؛ وبالقدرة على بناء شيء جميل من قلب الألم”. وأضاف أن الجائزة تكرّم “كل من يستطيع أن يحوّل الألم إلى فعل إيجابي، والغضب إلى طاقة بناء، والخوف إلى شجاعة، والإيمان بالإنسان إلى طريق نحو السلام”. وختم بالتأكيد على أن العنف استطاع أن يأخذ تالا، لكنه لم يستطع أن يأخذ ما زرعته”… صوتها ما زال هنا، كلماتها ما زالت هنا، وحُلمها ما زال هنا”.
بدوره، ألقى والد تالا، الطبيب حسام الشوفي، كلمة العائلة والجائزة، نيابةً عن نسرين الأمّ التي سبقتها الدموع قبل أول سطر في ورقتها… فافتتح كلمته بقولٍ للمفكّرة التربويّة مؤسِّسة الجامعة أوغاريت يونان “اللاعنف هو حبّ الحياة وشجاعة مواجهة الظلم”. وتحدّث عن مسار نشوء الجائزة وتطورها، من فكرة لتخليد قيم تالا المرتبطة باللاعنف والجمال الإنساني إلى مشروع سنوي يهدف إلى دعم المبادرات المجتمعية التي تعزز ثقافة اللاعنف والتسامح، متوجهًا بالشكر إلى الشركاء، ومن ضمنهم جامعة AUNOHR، وإلى المنظمة الداعمة ماليًّا Syria Campaign، وإلى المدربين والمدربات، والمراكز المسانِدة، وكل من ساهم في إنجاح هذه التجربة.
ثم كانت كلمة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسانAUNOHR ، ألقتها هل بو علي Hala Aboali ، منسّقة شؤون الطلاب، والمشاركة في اللجنة لاختيار المبادرات والمساندة لنسرين في سائر محطات هذه الجائزة:
أكدت الكلمة أنّ جائزة “تالا – حارسة الياسمين للّاعنف” جسّد خيارًا إنسانيًا شجاعًا: تحويل الألم الذي خلّفه العنف إلى فعل بنّاء، وتحويل الفقد إلى رسالة حياة. إن قيمة هذه الجائزة لا تكمن فقط في تكريم المبادرات المشاركة، بل في الاحتفاء بكل من يختار مواجهة العنف بثقافة اللاعنف، وبالمحبة، والتوعية، والحوار، والعمل على تغيير الواقع من دون إنتاج مزيد من العنف”.
وانطلاقًا من هذا الخيار، كانت الجامعة شريكًا داعمًا وأساسيًا في هذه التجربة، من خلال مواكبة الشباب واليافعين والمعلمين والمدرسة، وتعزيز معارفهم ومهاراتهم في مجال اللاعنف وحلّ النزاعات والدفاع عن الحقوق، ومرافقتهم في تحويل أفكارهم إلى مبادرات، إضافة إلى دورها الأكاديمي في تقييم المشاريع وتحكيمها وفق أسس ترتبط بقيم اللاعنف، والأثر المجتمعي، والإبداع، والمشاركة، والقدرة على إحداث تغيير إيجابي.
وتوقفت هلا بو علي عند التجارب التي قدمتها المبادرات المشاركة، فرأت فيها نماذج مختلفة لتجذير ثقافة اللاعنف في المجتمع؛ من مبادرات اختارت التمكين الاقتصادي لتعزيز قدرة العائلات على الصمود، إلى مبادرات شبابية أكدت أن الرد على العنف لا يكون بالعنف، وأخرى عملت على حماية الأطفال واليافعين من مخاطر السلاح المتفلت، ومبادرات جمعت تجارب اللاعنف وعرّفت المجتمع بها وفتحت مساحة للتشارك والتواصل، وأخرى استخدمت الفن مساحةً للتعبير وحفظ الذاكرة، إلى جانب معلمين ومعلمات حملوا هذه القيم إلى المدرسة، مؤمنين بأنّها ليست مكانًا للتعليم فقط، بل مساحة لتربية الذات ولبناء علاقات تقوم على الحوار واحترام الآخر. وأكدت أن هذه المبادرات أظهرت أن اللاعنف يُبنى عبر أفعال صغيرة تتراكم لتصنع فرقًا.
وختمت هلا بو علي بالتأكيد على “الأمل بأن يبقى الياسمين الذي حملت الجائزة اسمه أكثر من رمز؛ فكما تنتشر رائحته بهدوء وتصل إلى أماكن بعيدة، نأمل أن تنتشر قيم هذه المبادرات، وأن يكبر وينمو حضور اللاعنف في حياتنا وعلاقاتنا”.
واستعادت في الختام كلمات مؤسّس جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان، وليد صلَيبي: “نحن لسنا في عالمٍ انتصر فيه العنف، نحن في عالمٍ لم ينتصر فيه اللاعنف كفايةً بعد”.
شاركت في النسخة الأولى من الجائزة خمس مبادرات هي: “لعيونك يا بلد”، “بيت الحكايا”، “علّمني الصيد”، «CHC – Cooperation Hope Creativity»، و”بلد Toon”.
بعد عرض فيلم قصير تعريفي عن المبادرات المشاركة، وتقديرًا لما قدّمته جميع الفرق من أنشطة اتسمت بالإبداع والتميّز، حرصت لجنة التحكيم على الاحتفاء بكل تجربة، حيث تناول كل عضو من أعضاء اللجنة إحدى المبادرات، مسلطًا الضوء على ما ميّزها من أفكار وأثر ورسالة. وقد حصلت جميع الفرق المشاركة على مكافأة تشجيعية بقيمة 150 دولارًا لكل فريق، مقدمة من أسرة تالا الشوفي، إلى جانب مادة أكاديمية تخصصية مهداة من جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان.
وكانت الجامعة شكّلت لجنة تحكيم، ضمّت: مؤسِّسة الجامعة الدكتورة أوغاريت يونان، والأستاذة الدكتورة سوزان عبد الرضا Suzanne Abdul-Reda ، والممثلة برناديت حديب Bernadette Houdeib ، والأستاذ منجد صقر، حيث شاركت يوم السبت في الحفل من مكتب الجامعة في الجميزة عبر تقنية الاتصال عن بُعد.
تحدثت الممثلة برناديت حديب عن مبادرة «CHC – Cooperation Hope Creativity» وما جسّدته من فكرة أساسية هي عدم الرّد على العنف بالعنف، إذ اختار الشباب واليافعون الذين أطلقوا المبادرة، في مواجهة الغضب والرغبة في الانتقام، التأكيد أن العنف لا يولّد إلا مزيدًا من العنف والدمار والموت، وأن اختيار طريق آخر ليس ضعفًا، بل يحتاج إلى شجاعة وقوة، هي قوة اللاعنف.
وتناولت الدكتورة سوزان عبد الرضا مبادرة “بلد Toon”، التي أخذت المبادرات الموجودة وعرّفت المجتمع عليها وجمعتها في مساحة تشاركية حيوية، مسلّطة الضوء على فئات متنوعة في المجتمع، كما أسهمت في جعل هذه المبادرات وتجاربها أقرب إلى الناس وأكثر حضورًا في حياتهم اليومية.
فيما تحدث الأستاذ منجد صقر عن مبادرة “علّمني الصيد”، التي اختارت أن تمنح الناس أدوات تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم وبناء قدراتهم في مواجهة الظروف الصعبة؛ فلم يقتصر التمكين فيها على تعلّم مهنة أو تأمين دخل مادي، بل شمل استعادة القدرة على إدارة الحياة باستقلالية أكبر، إلى جانب التوعية بمهارات التواصل وقيم اللاعنف.
وتناولت هلا بو علي مبادرة “بيت الجكايا”، التي تميّزت باختيار قضية جوهرية تمسّ حياة الأطفال واليافعين مباشرة والمجتمع ككل، وهي استخدام السلاح العشوائي من قبل الأطفال. فوجود السلاح في أيدي الأطفال ليس مجرد ظاهرة تحتاج إلى توعية، بل خطر حقيقي يهدد حياتهم وحياة من حولهم والمجتمع بأسره. وتكمن أهمية المبادرة في إدراكها أن العمل على بناء ثقافة اللاعنف لا يمكن أن ينفصل عن مواجهة هذه القضية ومعالجتها.
بعد ذلك، أعلنت الدكتورة أوغاريت يونان اسم المبادرة الفائزة، وهي مبادرة “لعيونك يا بلد”، التي حصلت على جائزة مالية بقيمة500 دولار مقدَّمة من أسرة تالا الشوفي، إضافة إلى منحة دبلوم في جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان، برعاية مشتركة بين منظمة Syria Campaign والجامعة.
وتوجّهت الدكتورة يونان بالتهنئة إلى الفريق الفائز وجميع الفرق المشاركة، وتحدثت عن تجربتها مع مبادرة “لعيونك يا بلد”، قائلة: …تعرّفت إليكم من خلال تدريب المعلمين والمعلمات، وأيضًا من خلال تدريب اليافعين والشباب، حيث عقدنا عدة جلسات، وكنتُ حقيقةً سعيدة بأسئلتكم، وبحواراتكم، وبجرأتهم في تناول النزاعات الصغيرة والكبيرة التي طلبتم أن تعرفوا كيف يكون الحلّ إزائها وهي كلها نابعة من الواقع… وكذلك مع المعلمات والمعلمين ومديرة المدرسة، وبالتأكيد مع نسرين، الطامحين إلى أن تتحول المدرسة إلى مدرسة لاعنفية… سبق أن قلنا لكم: هذا عمل جدّي وقوي، يحمل رغبة عميقة في اللاعنف ويحمل الاستمرارية المبنيّة على معرفة وتخصّص في اللاعنف، وهذا ما يمكن أن يتجذر في المجتمع عندكم: من المدرسة إلى البيت، إلى الشباب، والشباب هم أصدقاء تالا ورفاقها… وأنا أقول للجميع: أقبّلكم فردًا فردًا. إنّها كلمة من القلب. أقبّل نسرين وحسام وابنكم العزيز الذي تأثرنا كثيرًا بكلمته، وأقبّل تالا حيث هي، ورفاقها الذين يحملون اسمها وصورتها… أشعر بالقوة في هذه اللحظة، وأشعر بأن شيئًا جميلًا يحدث اليوم. وكل من يبادر بهذه الروح القوية الموجودة، فهذا هو اللاعنف… مجتمعاتنا لن تتخلص من العنف إلا إذا حافظنا على الرغبة في اللاعنف الموجودة في كل واحد منا… جامعة اللاعنف ستبقى إلى جانبكم، وستساهم في زرع اللاعنف في السويداء. ونحن نعرف ما الذي حدث في السويداء، ونعرف ما الذي نتمنى ألّا يبقى وألّا يتحوّل إلى عنف مضادّ… باسمي واسم جميع أعضاء اللجنة، نقول لكم: مبروك”.
واختُتم الحفل بعرض أغنية “تخيّل Imagine، التي كانت أصدرتهاAUNOHR بمناسبة احتفاليتها في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2018 لإطلاق “اليوم الوطني لثقافة اللاعنف في لبنان”، وتدشين “تمثال اللاعنف العالمي” في بيروت، أول عاصمة عربية تحتضن هذا الرمز للسلام. وجاء اختيار الأغنية امتدادًا لرسالة الحفل، التي اختُصرت في كلماتها: “تخيّل إنو كل الناس بتعيش الدنيي بسلام




