بعد “علي الطاهر”… هل تتجه إسرائيل إلى البقاع الغربي ومحيط جزين؟

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/

تدخل المواجهة العسكريّة في الجنوب مرحلةً شديدة التعقيد والتصعيد، مع تجاوز إسرائيل لما سُمّي بـ”الخطّ الأصفر”. ومع إطباق الجيش الإسرائيليّ سيطرته العمليّاتيّة على مرتفعات “عليّ الطاهر” الاستراتيجيّة شمال مجرى نهر الليطاني، تتّجه الأنظار إلى ما بعد هذه السيطرة، خصوصاً في ما يتعلّق بالبنية التحتيّة العسكريّة المعقّدة تحت الأرض، والأبعاد الإقليميّة والسياسيّة التي رافقت إخلاء الموقع بدلاً من تسليمه للشرعيّة اللبنانيّة.

فاجأ قرار “الحزب” إخلاء تلال عليّ الطاهر الوسطين السياسيّ والعسكريّ في بيروت، لا سيما أنّ النصائح والتمنّيات التي أُسديت لقيادته تمحورت حول ضرورة إيداع ورقة التلال بعهدة الجيش اللبنانيّ لتعزيز موقف الوفد اللبنانيّ المفاوض قبل الجولة الثامنة، التي لم يعد موعدها مُحدّداً، والتهيّؤ لـ”طاولة روما 3″.

ضوء أخضر إيرانيّ لإنقاذ الخبراء

لكنّ مصادر “أساس” تؤكّد أنّ هذا الإخلاء لم يكن قراراً أحاديّاً اتّخذه “الحزب” بمنأى عن طهران، بل جاء تتويجاً لتسوية إيرانيّة أُعدّت بوسطاء متعدّدين، وأمّنت خروجاً آمناً لخبراء عسكريّين ينتمون إلى “الحرس الثوريّ الإيرانيّ” كانوا موجودين داخل المنشأة العسكريّة الحصينة تحت التلّة. ووفق المصادر عينها، فإنّ التهديدات الإيرانيّة السابقة بالتدخّل لحماية المرتفع وُظّفت كإطار إعلاميّ وضغط سياسيّ من دون ترجمة ميدانيّة وأهمها إعلان قاليباف أنه على اتصال مباشر مع خبراء بلده في الموقع، إذ أعطت القيادة الإيرانيّة الضوء الأخضر لسحب المقاتلين الباقين وتفادي مواجهة مكلفة في ظلّ الاختلال القائم في موازين القوى.

كما أشار البيان، الذي أصدره الجيش الإسرائيليّ عن إعلان “السيطرة العمليّاتيّة” على “عليّ الطّاهر”، إلى تسوية خروج الإيرانيّين من المنطقة، وذلك حين ذكر البيان أنّ الجنود الإسرائيليّين لم يعثروا على أيّ مستشار إيرانيّ في الأنفاق التي دخلوا إليها.

فَضَّل “الحزب” ترك الموقع ليقع تحت السيطرة الإسرائيليّة بدلاً من تسليمه للجيش اللبنانيّ. إذ إنّ دخول المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة إليها كان سيفقده رسميّاً وفرضيّاً مبرّر الوجود العسكريّ شمال الليطانيّ، وسيفتح الباب أمام تكرار التجربة في مناطق أخرى، وخصوصاً في مرتفعات الريحان والبقاعَيْن الشّرقيّ والشّماليّ، حيث توجد منشآت أكثر أهمّيّة وعمقاً وحجماً، وذلك بحسب مصدر مُقرّب من “الحزب”.

بذلك، جاء الإخلاء في سياق إعادة انتشار تكتيكيّة تتيح لـ”الحزب” الاستمرار في تبرير التمسّك بسلاحه تحت شعار “مواصلة التصدّي للاحتلال”، وربط هذا الملفّ بالمفاوضات الإقليميّة والمذكّرة الأميركيّة – الإيرانيّة المعلّقة.

حرب الأنفاق والخرائط الميدانيّة المرتقبة

في الميدان، لا تنظر إسرائيل إلى السيطرة على مرتفعات عليّ الطاهر بوصفها نهاية المطاف، بل كنقطة ارتكاز للتوسّع والتطهير الهندسيّ. وتفيد مصادر “أساس” بأن الاستخبارات الإسرائيليّة رصدت أكثر من 15 نفقاً تتوزّع في المنطقة الممتدّة بين يحمر، كفرتبنيت، أرنون، وصولاً إلى عليّ الطاهر، وتنوي تنفيذ عمليّات تفجير واسعة لنسف هذه البنية التحتيّة بالكامل.

لكنّ خطّة العمليّات الإسرائيليّة تتجاوز تفجير الأنفاق إلى محاولة فرض واقع جغرافيّ وسياسيّ جديد، وفق ما تتوقّعه المصادر في حال لم تتدخّل واشنطن للجم تل أبيب:

– الضّغط على النبطية وقضائها: التقدّم من عليّ الطاهر باتّجاه “دوحة كفررمان”، ما يتيح السيطرة على طريق (الجرمق – الريحان)، بالتوازي مع التمدّد نحو “النبطيّة الفوقا” لتشديد الخناق الميدانيّ والعسكريّ على مدينة النبطيّة رغم إعلان الجيش اللبناني في بداية دخوله إلى النبطية الذي يعني عملياً قبوله التواجد في المدينة مع مقاتلي الحزب.

– استهداف محور ميفدون – شوكين: تضع التقديرات الإسرائيليّة منطقتَي ميفدون وشوكين في صلب دائرة الاستهداف الوشيك، كونهما تشكّلان نقاط تجميع وتمركز جديدة لـ”الحزب” عقب سحب قوّاته من التلال.

– قطع شرايين التّواصل بين البقاع ومرتفعات جزّين: من جهة البقاع الغربيّ، تتّجه النيّة الإسرائيليّة إلى قطع طريق “ميدون” المؤدّية إلى مرتفعات جزّين الحاكمة (مثل الريحان، سُجد، وكفرحونة) لعزل القواطع الجغرافيّة والحدّ من حركة الإمداد والتواصل بين الجنوب والبقاع.

– التّطويق في صور ووادي زبقين: تمتدّ العمليّات إلى الالتفاف على وادي زبقين في قضاء صور لنسف المنشآت الحصينة والأنفاق هناك، وهو ما يفسّر كثافة التفجيرات وضمّ مناطق مثل المنصوري ومزرعة بيوت السيّاد عمليّاً إلى النطاق الأمنيّ للخطّ الأصفر.

النّبطيّة: الشّيعيّة السّياسيّة في دائرة الاستهداف

يأتي التركيز على قضاء النبطيّة ومركز المحافظة ليمسّ شرياناً حيويّاً في تركيبة الجنوب اللبنانيّ. فالنبطيّة ليست مجرّد موقع جغرافيّ، بل هي العاصمة الإداريّة والاقتصاديّة للجنوب، وتتمتّع برمزيّة تاريخيّة وسياسيّة وثقافيّة فارقة في الوجدان الشيعيّ.

تُمثّل المدينة مركز الثقل التاريخيّ لجبل عامل، وشهدت المحطّات الأولى للنشاط السياسيّ والعاشورائيّ والنقابيّ في التاريخ الحديث للجنوب. كما أصبحت على مدى العقود الماضية معقلاً سياسيّاً وركيزة أساسيّة لنفوذ الثنائيّ الشيعيّ والمؤسّسات الرسميّة والأهليّة والمرجعيّة. وإلى جانب ثقلها المعنويّ، تُشكّل النبطيّة العصب التجاريّ والخدماتيّ الذي يربط عشرات القرى والبلدات في الشرق والغرب.

من هنا، فإنّ الاستهداف الإسرائيليّ للمدينة ومحيطها، الذي تجسّد سابقاً بقصف مبنيَيْ أمن الدولة ووزارة الماليّة ومرافق مدنيّة، يهدف إلى ضرب هذه الرمزيّة، وتفكيك مقوّمات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة فيها، عبر إدراجها ضمن منطقة الضغط الناريّ والدفع نحو تهجير سكّانها.

استقدام التّعزيزات وإنذارات الإخلاء

أمام هذه الخريطة المتفجّرة، تكشف المصادر عن تحرّكات ميدانيّة مقابلة لـ”الحزب” لمواجهة الاندفاعة المتوقّعة. إذ استقدم “الحزب” تعزيزات عسكريّة تضمّ مقاتلين لبنانيّين وشيعة سوريّين جرى نقلهم من منطقة البقاع، وتمركزوا في محور ميفدون – شوكين لبناء خطّ دفاعيّ ولمحاولة إعاقة أيّ تقدّم إسرائيليّ جديد.

في تحوّل يعكس خطورة الموقف الميدانيّ، طلب “الحزب” من أهالي مدينة النبطيّة البدء بإخلاء منازلهم ومغادرتها، كونه اتّخذ قراراً تنفيذيّاً بالردّ الهجوميّ على الضربات الإسرائيليّة المكثّفة التي استهدفت أخيراً كفررمّان، ميفدون، والنبطيّة الفوقا.

بين حسابات اليمين الإسرائيليّ الحاكم الراغب في استثمار البطش الميدانيّ في الانتخابات المقرّرة في أواخر تشرين الأوّل المُقبل، وبين الحسابات الإقليميّة لإيران التي تقايض بالأوراق الميدانيّة، يجد الجنوب اللبنانيّ نفسه أمام أزمة متصاعدة. فالاتّفاق الإطاريّ يتآكل تحت الخروقات والتفجيرات، والمسار التفاوضيّ في روما وواشنطن بات مكبّلاً بواقع ميدانيّ متقدّم، فيما تنزاح الخطوط الحدوديّة على الأرض ليصبح “المؤقّت” الإسرائيليّ أمراً واقعاً يهدّد السيادة اللبنانيّة برمّتها.

ابراهيم ريحان – اساس ميديا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!