أين التين هذا العام؟ موسم يتأخر وثمار تغيب عن الأسواق اللبنانية

صدى وادي التيم – لبنانيات/

من يتجوّل هذه الأيام في الأسواق ومحال الخضار والفاكهة، أو حتى بين القرى اللبنانية التي اعتادت أشجارها أن تكون محمّلة بالتين في مثل هذه الفترة، قد يطرح سؤالاً بسيطاً: أين التين هذا العام؟
فنحن في أواخر آب وبداية أيلول، أي في الفترة التي يفترض أن يكون فيها التين حاضراً بقوة على الموائد والبسطات اللبنانية. إلا أن المشهد هذا العام مختلف في عدد من المناطق، مع تراجع في الكميات وتأخر واضح في نضوج الثمار.
والأمر ليس مجرد انطباع. ففي بلدة كفرا الجنوبية ومحيطها، وهي من المناطق المعروفة بإنتاج التين، تأخر الموسم هذا العام حوالى شهر عن موعده الطبيعي، حتى إن تموز مرّ فيما بقي قسم من الثمار غير ناضج، وغابت بسطات التين المعهودة عن الطريق العام في المنطقة.
الطقس لعب دوره… ولكن ليس وحده
الموسم الزراعي اللبناني مرّ خلال الأشهر الماضية بظروف مناخية غير اعتيادية. فقد تأخرت الأمطار الموسمية حتى منتصف كانون الأول 2025، أي حوالى ستة أسابيع، قبل أن تتحسن المتساقطات اعتباراً من كانون الثاني 2026.
ورغم أن الأمطار اللاحقة حسّنت رطوبة التربة وساعدت عدداً من الزراعات، فإن اضطراب مواعيد الأمطار وتبدّل درجات الحرارة يتركان تأثيرات مختلفة على الأشجار المثمرة وفق المنطقة والارتفاع ومرحلة نمو الثمار.
وبالتالي، لا يمكن اختصار ما حصل للتين بعامل واحد، لكن من الواضح أن الموسم الزراعي برمّته واجه ظروفاً استثنائية.
الجنوب يدفع الثمن الأكبر
أما في الجنوب، فتضاف إلى العوامل الطبيعية تداعيات الحرب والاعتداءات والأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي.
وتشير أرقام وزارة الزراعة إلى تضرر أكثر من 22.5% من الأراضي الزراعية اللبنانية، أي نحو 51,956 هكتاراً، فيما تضررت أكثر من 10 آلاف حيازة زراعية، وتوقفت أعمال نسبة كبيرة من المزارعين في الجنوب نتيجة الحرب والنزوح وصعوبة الوصول إلى الأراضي.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة إلى التين، لأن بعض البلدات الجنوبية تشتهر تاريخياً بزراعته وإنتاجه، وفي مقدمها كفرا ومحيطها. هناك لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بموعد نضوج الثمار، بل أيضاً بعودة المزارعين إلى أراضيهم وقدرتهم على قطاف الموسم وتسويقه.
شجرة كانت في كل بيت
والتين في لبنان ليس مجرد محصول زراعي.
فالشجرة التي لا تحتاج إلى الكثير من العناية كانت لعقود جزءاً من المشهد التقليدي للبيت اللبناني، من الساحل إلى الجبل والداخل. وكانت العائلات تنتظر موسمها، فيؤكل التين طازجاً أو يجفف لفصل الشتاء، فيما يشكل بيعه دخلاً موسمياً إضافياً لعدد كبير من أبناء القرى.
ولهذا ربما يشعر اللبناني هذا العام بغيابه أكثر من محاصيل أخرى. فالتين مرتبط بالصيف اللبناني نفسه، وبأشهر تموز وآب وأيلول وبالعودة إلى القرية والجبل.
والمفارقة أن وزارة الزراعة كانت قد عملت في آذار الماضي على توزيع غراس مثمرة على المزارعين، من بينها غراس التين، ضمن برنامج يهدف إلى دعم الإنتاج الزراعي المحلي، ما يؤكد أهمية المحافظة على هذه الزراعة التقليدية.
فهل يعود التين في أيلول؟
قد يكون الجواب جزئياً نعم.
فتأخر النضوج في بعض المناطق يعني أن جزءاً من الإنتاج يمكن أن يصل إلى الأسواق متأخراً خلال أيلول، وبالتالي فإن ما نشهده لا يعني بالضرورة ضياع الموسم بكامله.
لكن موسم التين هذا العام يطرح سؤالاً أكبر من مجرد البحث عن هذه الثمرة في السوق: ماذا يحدث للزراعة اللبنانية؟
بين الحرب، وتغير المناخ، وشح المياه في بعض المواسم، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم وتسويق منتجاتهم، أصبحت المواسم الزراعية اللبنانية أكثر هشاشة أمام أي تبدل في الظروف.
ويبقى التين، تلك الثمرة التي اعتدنا أن نجدها في كل قرية تقريباً ومن دون أن نسأل عن مصدرها، واحداً من المؤشرات الصغيرة على تحولات أكبر تصيب الريف والزراعة في لبنان.
فحين يمرّ الصيف ويسأل اللبناني: “وين التين؟”… قد لا يكون السؤال عن فاكهة فقط، بل عن موسم لبناني كامل بدأ يتغيّر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!