ساعات مفصلية: اقتحام علي الطاهر “حُسم”

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/

لا تبدو تلة علي الطاهر مجرد نقطة جديدة في بنك الأهداف الإسرائيلية. ما يجري حولها خلال الأسابيع الأخيرة يطرح سؤالًا أكبر من حجم التلة وموقعها: هل دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من التعامل مع الجنوب، تنتقل فيها من الضربات المتفرقة إلى تغيير الوقائع على الأرض تدريجيًا؟ فتكثيف الغارات الجوية والقصف المدفعي واستهداف محيط التلة ومنافذها يتزامن مع مسار تفاوضي لبناني إسرائيلي لم يصل بعد إلى صيغة نهائية، ما يجعل كل تصعيد ميداني قابلًا لقراءة تتجاوز الحساب العسكري المباشر.
أهمية الموقع تفسر جانبا من هذا الاهتمام. فالتلة تشرف على مساحة واسعة من الجنوب، وترتبط ميدانيا بمحاور الخيام وقلعة الشقيف وإصبع الجليل، ما يمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على مراقبة الحركة في المنطقة المحيطة. لذلك، فإن السيطرة عليها تعني الإمساك بنقطة يمكن أن تؤثر في خطوط الحركة والانتشار والإمداد في مساحة أوسع.
لكن التطور الأكثر دلالة لا يكمن في كثافة النيران وحدها، بل في طريقة استخدامها. المؤشرات المتداولة عن توسيع الاستهداف ليشمل الممرات المحيطة بالموقع ومنافذ الأنفاق، تشير إلى محاولة تقليص قدرة الموجودين في المنطقة على الاختباء والتحرك. وإذا صحت المعلومات عن استهداف فتحات الأنفاق وطرق الخروج منها، فإن الأمر يصبح أقرب إلى عملية عزل تدريجية للموقع، هدفها إنهاك من فيه وقطع قدرته على المناورة، بدل الذهاب مباشرة إلى اقتحام بري واسع.
وهذا يفتح احتمالا أساسيا: أن تكون إسرائيل قد اختارت الضغط بالنار قبل الحسم بالنار والأرض.

فالاقتحام المباشر يفرض أثمانا عسكرية وسياسية أكبر، فيما يسمح القصف المتدرج بتحقيق جزء من الأهداف من دون فتح مواجهة واسعة. كما يمنح إسرائيل وقتا لاختبار ردود الفعل، ومراقبة الوضع داخل الموقع، وتحسين ظروف أي تحرك بري محتمل إذا تقرر لاحقا.
غير أن العامل الحاسم يبقى سياسيا. فالتصعيد حول علي الطاهر يجري في وقت تحاول فيه واشنطن إبقاء المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ضمن مسار قابل للاستمرار. ولذلك قد يكون الهدف من العمليات الحالية رفع مستوى الضغط على بيروت وتحسين شروط التفاوض، لا نسف التفاوض نفسه. وفي هذه الحالة، يصبح القصف أداة تفاوضية بقدر ما هو أداة عسكرية.
لكن السيناريو الآخر يبقى قائما: أن تكون المفاوضات نفسها جزءا من الوقت الذي تحتاجه إسرائيل لترتيب الأرض قبل الانتقال إلى خطوة أكبر. فالسيطرة لا تبدأ بالضرورة بدخول القوات إلى الموقع، يمكن أن تبدأ بإضعاف محيطه، قطع طرق الوصول إليه، كشف بنيته التحتية، ثم فرض واقع يجعل الانتقال البري أكثر سهولة وأقل كلفة.
وتزداد حساسية هذا الاحتمال في ضوء التقديرات الإسرائيلية التي تتحدث عن تحول في نمط عمل “حزب الله” نحو خلايا أصغر وعبوات ومسيّرات وعمليات استنزاف متفرقة. وبغض النظر عن دقة هذه التقديرات، فهي تكشف عن أن إسرائيل تنظر إلى الخطر المقبل باعتباره أقل ارتباطًا بالمواجهة الواسعة وأكثر ارتباطًا بقدرة خصمها على إعادة تنظيم نفسه داخل بيئة جغرافية معقدة.
في المقابل، تتحرك بيروت على المستوى السياسي لتوسيع شبكة الدعم الإقليمي. اتصال الرئيس جوزاف عون بأمير قطر، واستقبال العاهل الأردني لقائد الجيش العماد رودولف هيكل، يأتيان في توقيت يزداد فيه الضغط على الجنوب. والرسالة الأهم هنا أن أي ترتيبات أمنية مقبلة يفترض أن تمر عبر الدولة والجيش، في مواجهة أي محاولة لفرض وقائع جديدة بالنار.
لذلك إذا استمرت الضربات ضمن سقف محسوب، فقد تكون ورقة ضغط على طاولة التفاوض. أما إذا انتقلت إسرائيل من عزل الموقع واستنزافه إلى تثبيت وجود بري فيه، فذلك يعني أن الجنوب دخل مسارا مختلفا، عنوانه إعادة رسم السيطرة على الأرض خطوة خطوة.
عندها، لن تكون علي الطاهر مجرد تلة تحت القصف، بل قد تكون الاختبار الأول لمعرفة ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستُكتب في غرف التفاوض… أم على المرتفعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!