زياد الرحباني… صوتك ما زال «صوت الشعب»
منذ ساعتين
37 4 دقائق
صدى وادي التيم – متفرقات /
بعد عام على غياب زياد الرحباني (1956 ــ 2025)، لا تزال أعماله تُستعاد بوصفها حاضراً أكثر منها ذاكرة. من المسرح إلى الموسيقى، ومن الإذاعة إلى الفكر السياسي، تتواصل…
بعد عام على غياب زياد الرحباني (1956 ــ 2025)، لا تزال أعماله تُستعاد بوصفها حاضراً أكثر منها ذاكرة. من المسرح إلى الموسيقى، ومن الإذاعة إلى الفكر السياسي، تتواصل محاولات قراءة تجربة يصعب اختزالها في فنّ واحد أو مرحلة واحدة. تحت عنوان «زياد الرحباني: صوتك صوت الشعب»، تنظّم إذاعة «صوت الشعب» بالتعاون مع عائلة زياد وأصدقائه ثلاثة أيام من الندوات والعروض واللقاءات، تستعيد خلالها علاقته بالإذاعة، وتفتح نقاشاً حول أثره الفني والفكري الذي لا يزال يتردّد حتى اليوم
تنطلق اليوم فعّاليات تنظّمها إذاعة «صوت الشعب» بالتعاون مع أصدقاء زياد وعائلته، إحياءً للذكرى الأولى على رحيله بعنوان «زياد الرحباني: صوتك صوت الشعب». في حديث معنا، يقول مدير إذاعة «صوت الشعب» رغيد جريديني، إنه تقرّر تنظيم هذه الفعّاليات لأن الإذاعة تعتبر زياد جزءاً أساسياً منها ومن تاريخها. فهو قدّم موادَّ للإذاعة من برامج وموسيقى وحوارات، ويقول: «نفتخر بأنّها كانت من إنتاج «صوت الشعب»، لأن الأفكار المُشتركة، سياسياً واجتماعياً وفنياً، التي ربطت الإذاعة بزياد كانت السبب الأساسي لوجود هذه الأعمال».
تمتدّ الفعاليات على ثلاثة أيام، تبدأ في «مسرح المدينة» بعنوان «هيدي بس تحية» التي تتضمّن ندوة سياسية بعنوان «زياد فكر وانتماء» يقدّمها الاقتصادي كمال حمدان وفادي النبوت، تليها تحية فنية من «صوت الشعب» وأصدقاء زياد، تتخلّلها مقاطع من أرشيف الإذاعة، من البرامج التي قدّمها زياد، ومن المُداخلات التي قدّمها في أعماله التي بُثّت على الإذاعة، وتحيات مُصوَّرة من فنانين وأصدقاء ورفاق، كلٌّ على طريقته.
في اليوم التالي، سيُعرض فيلم «هدوء نسبي» في «البيت الروسي»، من إنتاج جمعية «النجدة الشعبية اللبنانية» عام 1985. الفيلم الذي يمتدّ قرابة الساعة ونصف الساعة، يُظهِر ظروف إنتاج موسيقى «هدوء نسبي»، وكيف عمل على هذه الموسيقى. يضيف جريديني في هذا الإطار: «الفيلم بيحكي عن حاله، زياد والفرقة بالفيلم بكفّوا وبوفّوا».
وفي اليوم الثالث، ستقام ندوة حوارية بعنوان «مسرح زياد بين الإخراج المسرحي والتأليف الموسيقي» في «ملتقى» في مبنى جريدة «السفير» في الحمرا يقدّمها المسرحيان والأكاديميان وليد دكروب وكريم دكروب. وتُختتم الفعّاليات بدعوة للسهر على أغاني وموسيقى زياد في عدد من مقاهي ومطاعم الحمرا، بعنوان «سهرنا يا بو الأحباب».
بين المسرح والموسيقى
كيف يمكن الحديث عن مسرح زياد الرحباني؟ هل يُقرأ بوصفه تجربة إخراجية أم موسيقية؟ من هذا السؤال، تنطلق ندوة «مسرح زياد بين الإخراج المسرحي والتأليف الموسيقي»، التي يقارب فيها المسرحي والأكاديمي وليد دكروب خصوصية تجربة زياد المسرحية، انطلاقاً من مفارقة أساسية، بأنه لم يدرس المسرح أكاديمياً، لكنه تخرّج من أهم مدرسة مسرحية في لبنان، مدرسة الرحابنة.
ويقول دكروب، في حديثه معنا، إن زياد، باستثناء «سهرية»، ابتعد كثيراً عن مدرسة الرحابنة، واتجه نحو المسرح الواقعي أو الطبيعي، بحسب التوصيف الأكاديمي. ويرى أنه من النادر العثور على تجربة بهذا العمق لشخص لم يتلقَّ تعليماً مسرحياً نظامياً، ولم يدرس إعداد الممثّل وفق المناهج الأكاديمية، لكنّ ذلك تحديداً منحه حرية مختلفة في بناء عالمه المسرحي.
هذه الحرية انعكست، أولاً، في اختياراته للممثّلين. فقد عُرف زياد بإسناد أدوار أساسية إلى ممثّلين غير محترفين، إلى جانب استعانته بممثّلين محترفين مثل الراحلين زياد أبو عبسي وأحمد قعبور وفائق حميصي، فيما احترف آخرون التمثيل معه، مثل الراحل بطرس فرح، أو تعرّف إليهم من خلال فرقة الرحابنة، مثل الراحل جوزيف صقر ومروان محفوظ. لكن، في الجوهر، كان يبحث عن ممثّليه في الحياة اليومية، بين الناس الذين عملوا معه وعرف تفاصيلهم.
ويلفت دكروب إلى أنّ زياد أخرج المسرح بعقلية المؤلّف الموسيقي. فغالبية مسرحياته عرفها الجمهور أولاً عبر التسجيلات الصوتية قبل مشاهدتها على الخشبة، حتى أصبحت «المسرحية المسموعة» جزءاً أساسياً من تلقّي أعماله. وتكشف هذه التسجيلات كيفية تعامله مع البؤر الصوتية داخل المشهد، عبر ما يشبه الـ«زووم إن» والـ«زووم أوت»، أو الـ«فايد إن» والـ«فايد أوت» بالمعنى التمثيلي. ففي الوقت الذي يدور فيه مشهد في المقدّمة، يستمر آخر في الخلفية، ثم يتقدّم الثاني ويتراجع الأول، وفق منطق يشبه انتقال اللحن بين الآلات الموسيقية في عملية التأليف.
ولا يقلّ عمل زياد على اللغة أهمية عن عمله على الإخراج. وفق دكروب، كرّس جانباً كبيراً من مشروعه لتفكيك اللغة اللبنانية المحكية، باعتبارها أحد مفاتيح فهم «الشعب العنيد». وقد بدأت هذه المقاربة قبل برنامج «العقل زينة»، في مسرحيات «بالنسبة لبكرا شو؟» و«فيلم أميركي طويل» و«شي فاشل»، ثم بلغت ذروتها في «العقل زينة»، وتجلّت بصورة أوضح في «بخصوص الكرامة والشعب العنيد» و«لولا فسحة الأمل». ومن خلال هذا الاشتغال اللغوي، كشف زياد البنية التاريخية لفساد المجتمع اللبناني.
سيبقى زياد عقدة كل فنّاني عصرنا، سواء من عاصروه أو من جاؤوا بعده أو من سيأتون لاحقاً
(وليد دكروب)
ويؤكّد دكروب أنّ أحداً لم يذهب في هذه التجربة إلى المدى الذي بلغه زياد. فقد فتح الباب أمام تجارب كثيرة جاءت بعده، بعضها نجح وبعضها أخفق، لكنّ أحداً لم يستطع بلوغ مستواه. وليس المطلوب، برأيه، أن يظهر «زياد جديد»، إلا أن زياد الرحباني سيبقى عقدة كل فنّاني عصرنا، سواء من عاصروه أو من جاؤوا بعده أو من سيأتون لاحقاً. فجميعهم، عن قصد أو من دونه، تأثّروا بتجربته، وهذا لا يقتصر على لبنان، بل ينسحب على المشهد الثقافي العربي بأكمله.
ويتوقّف دكروب أيضاً عند نشر نصوص أربع من مسرحيات زياد في كُتيبات، وهو ما أتاح، خصوصاً بعد رحيله، محاولات لإعادة قراءة هذه الأعمال. ويشير إلى أن طلاب المسرح في الفرع الأول في الجامعة اللبنانية قدّموا، خلال السنة الأخيرة، مشاهد من مسرحياته ضمن مشاريع أكاديمية، إلا أن إعادة تقديم أعمال زياد لا تزال تمثّل تحدّياً كبيراً. فالذاكرة الجماعية، حتى لدى أساتذة المسرح، ما زالت مُشبعة بإيقاع صوته ونبرته وطريقته الخاصة في الحوار، الأمر الذي يجعل تقبّل قراءة مختلفة لمسرحه مهمّة شاقّة. ومع ذلك، يرى أن الزمن وحده قد يخفّف من هذه القدسية، ويفتح الباب أمام مُقاربات جديدة لنصوصه.
مشاركة فنية
تقول المخرجة المسرحية لينا خوري إنها لم تتردّد في الموافقة على المشاركة، لأن الأمر يتعلق بـ«صوت الشعب» وبزياد الرحباني. فقد طُلب منها المساهمة في التحضير للفعّالية، من خلال تقديم الاستشارة، وتنسيق المواد وترتيبها، والإشراف على كيفية عرضها، مستفيدةً من خبرتها كمخرجة، ليخرج النشاط بالشكل الذي يليق بتجربة زياد الرحباني. وتشير إلى أنّ المواد كانت جاهزة أساساً، فيما انحصر دورها في تنظيمها وبناء تسلسلها.
ترى خوري أنّ ما يميّز هذه الفعّالية هو أنها تنطلق من «صوت الشعب»، الإذاعة التي كانت بيت زياد، ورافقته في كثير من أعماله ومحطاته، وكان أحد المساهمين في تأسيسها. فقد ارتبط اسم زياد باسم الإذاعة، كما ارتبطت هي به، إذ منحها الكثير، فيما فتحت له منبرها ليقول ويقدّم كل ما أراده. وتصف العلاقة التي جمعته بـ«صوت الشعب» بأنها علاقة أهل ومحبة، تقوم أيضاً على تقاطع في الفكر والرؤية.
أمّا أكثر ما تتطلّع إلى مشاهدته خلال الفعّالية، فهو مشاركة الطلاب الذين يدرسون الموسيقى ويقدّمون أعمال زياد الرحباني. فبالنسبة إليها، تشكّل هذه المشاركة فرصة لرؤية كيف انتقل إرث زياد الفني إلى جيل جديد، وكيف أصبح حاضراً في تجربة طلاب المعاهد والمدارس الموسيقية.
* «زياد الرحباني: صوتك صوت الشعب»: ابتداءً من اليوم حتى السبت 25 تموز (يوليو) – «مسرح المدينة» (الحمرا) و«البيت الروسي» (فردان) و«ملتقى» (الحمرا). للاستعلام: 01/311809
جريدة الاخبار


منذ ساعتين
37 4 دقائق



