انبلاج الوعي وتبدد الوهم: دروز القنيطرة وريف دمشق في خندق المواجهة ضد الغطرسة الإسرائيلية

 

صدى وادي التيم – أخبار وادي التيم /

لا يقاس وعي الشعوب باللحظات العابرة التي يفرضها ضغط الواقع أو توازنات القوى المؤقتة، بل يقاس بقدرتها الفطرية على الاستفاقة، ونبضها الوطني الذي يأبى الانسلاخ عن الجسد الأم. هذا ما يجسده بدقة التحول الجذري في موقف أبناء طائفة الموحدين (الدروز) في قرى القنيطرة وريف دمشق وجبل الشيخ، والذين أسقطوا قناع “المهادنة” الإسرائيلية، ليعيدوا كتابة أبجديات الصراع بلسان عربي مبين: “سوريا هي الوطن، والاحتلال إلى زوال”.
​بين مشهد الأمس الذي سادته لغة التهدئة، ومستجدات اليوم الغاضبة، ينكشف زيف المخططات الصهيونية التي طالما حاولت العبث بفسيفساء النسيج السوري وعزل الأقليات ليكونوا لقمة .سائغة
​التحول الاستراتيجي: من سراب الوعود إلى خنادق الرفض
​في أقل من أسبوع واحد، تلقت الدوائر الأمنية والسياسية في تل أبيب صفعتين متتاليتين من جغرافيا كانت تظنها “خاصرة رخوة”. البيانات الصادرة عن الهيئة الدينية في “قلعة جندل” بريف دمشق، تلتها انتفاضة أهالي بلدة “حضر” بريف القنيطرة، لم تكن مجرد تعبير عن استياء عابر، بل كانت إعلان ميثاق وطني قاطع:
​”نؤكد التمسك بالهوية الوطنية السورية، ونرفض رفضاً قاطعاً أي مشاريع انفصالية أو محاولات لعزلنا عن عمقنا السوري.”
​هذا التحول القوي تجاوز مرحلة التنديد الدبلوماسي، ووصل إلى عتبة التهديد المباشر بالرد على أي ممارسات تعسفية أو انتهاك لحرمات البيوت، مما يعكس يقظة نهضوية شاملة أدركت خطر المخطط الإسرائيلي قبل فوات الأوان.
​ثلاثية القمع الإسرائيلي: محفزات الاستفاقة الكبرى
​لم يأتِ هذا الانقلاب في الموقف من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لسياسة صهيونية قائمة على القهر، وتضييق الخناق، والاستخفاف بالكرامة الإنسانية والوطنية لأبناء المنطقة. وتتلخص هذه المحفزات في ثلاثة محاور خطيرة:
​1. الشيطنة الأمنية والمداهمات السافرة
​تحت ذرائع واهية تروج لها الصحافة العبرية (مثل صحيفة يديعوت أحرونوت) حول عمليات “تهريب أسلحة عبر الجولان”، صعد جيش الاحتلال من عمليات الدهم والتفتيش والاعتقال في قرى الدروز. هذه المحاولات لشيطنة المجتمع الدرزي وتبرير استباحة بيوته، كانت الوقود الأول الذي أشعل نار الغضب الإقليمي.
​2. حرب المياه والزراعة (سياسة التجويع)
​بعد سيطرة الاحتلال على قمة جبل الشيخ الاستراتيجية، بدأت تل أبيب بممارسة حصار مائي ممنهج؛ فقطعت مياه الينابيع الحيوية عن بلدة “حضر” والقرى المحيطة بها، وأقامت البوابات والحواجز الشائكة لمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، في محاولة لضرب مقومات صمودهم الاقتصادي المرتبط بالأرض تاريخياً.
​3. التهديد الوجودي والغول الاستيطاني
​وهنا يكمن الخطر الأكبر؛ إذ لم تعد الإجراءات أمنية مؤقتة، بل تحولت إلى استهداف وجودي حقيقي بعد تسلل المستوطنين إلى محيط بلدة “حضر” ومحاولة إنشاء بؤر استيطانية جديدة، مدعومة بخطة خمسية يقودها اليميني المتطرف إيتمار بن غفير لتكثيف الاستيطان وتكريس الاحتلال، على غرار ما يحدث من مصادرة للأراضي في الجولان المحتل لإقامة “مراوح توليد الكهرباء”.
​حتمية الغدر التاريخي: درس الجنوب اللبناني الحاضر
​ولعل المقارنة التي يطرحها القراء والمحللون السياسيون مع تجربة “جيش لبنان الجنوبي” (جيش لحد) الماروني في جنوب لبنان هي الدليل الدامغ؛ فبعد سنوات من استخدامهم كحرس حدود لحماية أمن الشمال الإسرائيلي، استيقظ هؤلاء في عام 2000 ليجدوا أنفسهم وحيدين على الأسلاك الشائكة بعد أن تخلى عنهم مشغلهم الصهيوني دون رمشة عين.
​ الهوية لا تباع في أسواق التوازنات
​إن الانتفاضة الشعبية والسياسية لأبناء القنيطرة وريف دمشق، مسنودة بصوت الأحرار من داخل الجولان المحتل كالمحامي فهد الصفدي، هي رسالة واضحة لكل من يراهن على تفتيت الجغرافيا السورية.
​لقد أثبتت الأيام أن النوايا الصهيونية لا تستثني أحداً، وأن “أمن الأقليات” لا يحميه غاصب محتل، بل تحميه المواطنة الحقيقية، والالتحام مع قضايا الأمة، والتمسك بالتراب الوطني. سقط الوهم، وبقيت الأرض لأصحابها، لتثبت هذه القرى مجدداً أنها حارسة جبل الشيخ الأبية، وعصية على التطويع والكسر.

د. نبيلة عفيف غصن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!