هل يكون لقاء ترامب-عون نقطة التحول؟

 

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/

يبدو لبنان الرسمي، مع انعقاد الجولة السادسة من المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، أقرب من أي وقت مضى إلى الدخول جدياً في مرحلة التنفيذ الفعلي لـ”اتفاق الإطار” الذي أُبرم برعاية أميركية. فبعد أشهر من التجاذبات والمواقف، تتقاطع اليوم عوامل عدة توحي بأن بيروت باتت أمام لحظة تتغذى من رهانين متلازمين: نتائج محطة روما التفاوضية، واللقاء المرتقب بين الرئيس جوزاف عون ونظيره الأميركي دونالد ترامب في واشنطن الأسبوع المقبل.
الملفت في هذه الجولة أن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الاتفاق أو جدواه، بل انتقل إلى تفاصيله التنفيذية، وتحديداً إلى ما بات يُعرف بـ”المناطق النموذجية” أو “التجريبية”، التي ستشكل نقطة الانطلاق العملية لأي انسحاب إسرائيلي وانتشار مقابل للجيش اللبناني. وقد برز في هذا السياق خلاف واضح بين الجانبين حول تسلسل الخطوات: فبينما يريد الجانب الإسرائيلي أن يبدأ التنفيذ من مناطق غير محتلة أصلاً، يصر الوفد اللبناني على أن تكون البداية من مناطق لا تزال تحت الاحتلال، انطلاقاً من قناعة بيروت بأن أي انسحاب فعلي هو وحده ما يمنح العملية مصداقية أمام الرأي العام الداخلي. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الحل الوسط المطروح يقوم على تنفيذ متزامن في قريتين، إحداهما محتلة والأخرى لا تزال بيد الجيش اللبناني، في محاولة لتقريب وجهتي النظر دون أن يظهر أي طرف وكأنه تراجع عن موقفه.

ما يعزز فرضية الجدية هذه المرة هو التحول الملحوظ في الخطاب الإسرائيلي الرسمي. فتصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي، التي أكد فيها استعداد بلاده للمضي في المناطق النموذجية المطروحة، تمثل تغيراً لافتاً عن لهجة التريث التي طبعت المواقف الإسرائيلية سابقاً. ويُقرأ هذا التحول في بيروت كإشارة إلى أن واشنطن مارست ضغطاً فعلياً لدفع تل أبيب نحو مقاربة أكثر مرونة، تمهيداً لمسار تدريجي يفضي في نهايته إلى انتقال السلطة الأمنية في الجنوب بكامله إلى الجيش اللبناني، عبر مرحلة انتقالية تشرف عليها آلية مراقبة دولية بمشاركة قوات أميركية وأوروبية.
ويكتسب هذا التحول زخماً إضافياً في ضوء الحديث عن ضغط مباشر مارسه الرئيس ترامب شخصياً على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، حيث طلب رجل البيت الابيض من نتنياهو أن تبدأ إسرائيل بإعادة انتشار قواتها خارج الأراضي اللبنانية. وهو طلب يُقرأ في بيروت كترجمة عملية لما كان متداولاً عن نية أميركية لدفع نتنياهو نحو الانسحاب، لكنه في المقابل قد يضع رئيس الحكومة الإسرائيلية أمام مواجهة سياسية داخلية مع تيار اليمين المتشدد الذي يرفض أي تراجع إضافي عن الأراضي التي تحتلها قواته، سواء في سوريا أو في الجنوب اللبناني. هذا الضغط الأميركي المباشر، إن صحّ، يفسّر إلى حد بعيد اللهجة الإسرائيلية الأكثر مرونة التي ظهرت في تصريحات وزير الخارجية خلال جولة روما، ويعزز قراءة بيروت لمسار الأسابيع المقبلة باعتباره أقرب إلى التنفيذ الفعلي منه إلى مجرد تفاهمات نظرية.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن التوقيت السياسي الذي يأتي فيه. فجولة روما تُعقد قبل أسبوع واحد فقط من زيارة الرئيس عون إلى واشنطن، ما يجعل كثيرين يعتقدون أن أي إعلان رسمي عن تفاهمات نهائية سيُحجز لِما بعد هذا اللقاء، كي يظهر وكأنه ثمرة مباشرة للقاء الرئاسي، ويمنح عون رصيداً سياسياً يحتاجه في الداخل اللبناني. وتراهن بعبدا على أن يحمل هذا اللقاء “إيجابيات” للبنان، بحسب ما جرى التلميح إليه سابقاً، في وقت يبدو فيه المسار التفاوضي مرتبطاً عضوياً بالغطاء الأميركي الذي يقود مسار “الميكانيزم” الإشرافي.
الأسابيع المقبلة حاسمة لتحديد ما إذا كان لبنان سيدخل فعلياً في مرحلة تنفيذية ملموسة، أم أن المسار سيبقى رهينة التعقيدات الميدانية والسياسية التي رافقته منذ توقيع “اتفاق الإطار”. فالمؤشرات، وإن بدت أكثر إيجابية من أي وقت مضى، تبقى مشروطة بمدى قدرة الوساطة الأميركية على تقريب وجهتي النظر اللبنانية والإسرائيلية، وعلى تحييد “حزب الله” عن عرقلة مسار بات شبه محسوم الاتجاه، وإن لم يُحسم بعد في التفاصيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!