فيتو أميركي على قوات الأمم المتحدة: خمسة آلاف جندي أوروبي إلى لبنان؟

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
فيتو أميركي على قوات الأمم المتحدة: خمسة آلاف جندي أوروبي إلى لبنان؟
تتّجه واشنطن نحو استخدام «الفيتو» لمنع تجديد مهمة «اليونيفل» أو استبدالها بقوة أممية جديدة، ما دفع أوروبا إلى البحث في تشكيل قوة أوروبية مشتركة تضم نحو خمسة آلاف جندي، تحلّ محل «اليونيفل»، فيما لا يزال لبنان في موقع المتلقّي من دون طرح مبادرة واضحة أو تسويق بديل دولياً
قبل أن يبدأ مجلس الأمن الدولي نقاشه الرسمي بشأن اقتراح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تشكيل قوة مراقبين دوليين تحلّ محل بعثة الأمم المتحدة المؤقّتة في جنوب الليطاني (اليونيفل)، بدأت الدول الأوروبية البحث في خيارات عملية لتفادي انتهاء الوجود العسكري الأوروبي في لبنان مع انتهاء مهمة «اليونيفل» نهاية هذا العام.
وتبدو التقديرات الأوروبية حيال الموقف الأميركي من اقتراحات غوتيريش شديدة التشاؤم، في ظل اقتناع متزايد لدى الأوروبيين بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد إضعاف دور الأمم المتحدة إلى حدوده الدنيا، بعد وقف واشنطن الدعم المالي المخصّص للمنظمة الدولية وفرض عقوبات واتخاذ إجراءات للتضييق على عدد من مسؤوليها.
ورغم التعقيدات التي تحيط بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية وانعكاساتها على العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان، ورهان بعض الأوروبيين على أن ذلك قد يخفّف من حجم الرفض الأميركي لأي مهمة أممية جديدة، فإن المعطيات المتوافرة حتى الآن تشير إلى احتمال كبير باستخدام واشنطن الفيتو لمنع تجديد مهمة «اليونيفل» أو إنشاء مهمة أممية بديلة عنها.
كذلك، لا يبدو من المجدي التعويل على أجواء التوتر «الظاهر» التي تسود العلاقات الأميركية – الإسرائيلية لإحداث تبدّل في الموقف الأميركي، ما لم تتوافر ضغوط جدّية من الأطراف المعنية الأخرى، ولا سيما أوروبا ولبنان. وفي المقابل، يبدو الموقف الإسرائيلي أكثر وضوحاً وحسماً، إذ تدفع تل أبيب باتجاه إنهاء المهمة الأممية وممارسة مختلف أشكال الضغط لإخراج الكتائب الدولية من الجنوب، وصولاً إلى استهداف قواتها بشكل مباشر. وقد أسفرت هذه الاعتداءات، منذ 2 آذار، عن مقتل ستة عسكريين أمميين واستهداف عشرات المواقع التابعة للقوات الدولية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، بدأ الأوروبيون التفكير جدّياً في إيجاد صيغة بديلة مع اقتراب انتهاء ولاية «اليونيفل». وأكّدت مصادر دبلوماسية أوروبية لـ«الأخبار» أن اللجنة العسكرية التابعة للاتحاد الأوروبي (EUMC)، التي تضم رؤساء أركان الجيوش الأوروبية، رفعت توصية إلى الممثّلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، شدّدت فيها على الأهمية الاستراتيجية لاستمرار وجود عسكري أوروبي في لبنان. وبحسب المصادر، تدعو التوصية الاتحاد إلى الإبقاء على قواته العسكرية في لبنان ضمن مهمة أوروبية مشتركة قوامها نحو خمسة آلاف جندي، عبر اتفاقات تعاون مباشرة بين الجيوش الأوروبية والجيش اللبناني، بما يضمن استمرار وجود هذه القوات وتقديمها الدعم والمشورة للجيش.
وقال مصدر دبلوماسي أوروبي آخر إن «أوروبا لا تريد ترك لبنان والجيش اللبناني من دون دعم، فالجيش لا يزال بحاجة إلى الكثير من المساندة، كما أن الفراغ الذي قد يخلّفه انسحاب القوات الدولية من الجنوب لن يكون في مصلحة لبنان ولا المنطقة». وأضاف أن «لبنان معنيّ أيضاً بالحفاظ على هذا الوجود الأوروبي لمساعدته على تنفيذ التزاماته الدولية المرتبطة بحصرية السلاح، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، والمساهمة في إعادة إعمار الجنوب وعودة النازحين».
وأشار المصدر إلى أن «المستوى السياسي في الاتحاد الأوروبي يواصل الدفع باتجاه تبنّي مقترحات الأمين العام للأمم المتحدة، فيما يبدي المستوى العسكري قلقاً متزايداً من خسارة الاتحاد حضوره العسكري الوازن في لبنان، ولا سيما عبر جيوش الدول الأساسية المشاركة، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، إضافة إلى هولندا والنمسا وبولندا والدول الإسكندنافية. لذلك، تعمل اللجنة على بلورة مخارج عملية تضمن الحفاظ على هذا الحضور الأوروبي في شرق المتوسط».
تبدو الدولة اللبنانية في موقع المتلقّي من دون أي مبادرة جدّية تجاه الدول الفاعلة في مجلس الأمن
من جهته، أكّد مصدر دبلوماسي أممي أن «المنظمة الدولية تسعى إلى إيجاد مخارج للأزمة اللبنانية، في ظل الحاجة الملحّة إلى فريق من المراقبين الدوليين يتولّى متابعة تنفيذ القرار 1701 ومراقبة الخط الأزرق ورصد الخروقات المتبادلة». وأوضح أن «رسالة الأمين العام ومقترحاته تسير في هذا الاتجاه، إذ تتضمّن إنشاء قوة مراقبين للخط الأزرق بأحجام متفاوتة ومن دون تسليح، بما يشكّل تعديلاً جوهرياً في طبيعة المهمة ويمنح لجنة الهدنة (UNTSO) هامشاً أوسع للتحرّك».
ويُعدّ هذا التوجّه أحد أسباب الرفض الإسرائيلي المتوقّع لمقترحات غوتيريش، إذ لطالما سعت إسرائيل إلى تحويل القوات الدولية من قوات لحفظ السلام إلى قوة تنفيذية ذات طابع قتالي، تتولّى عمليات الدهم والاعتقال ومصادرة الأسلحة جنوب الليطاني، وتؤدّي مهامَّ داعمة للتوجّهات الإسرائيلية.
وأشار المصدر إلى أن «غوتيريش يحاول الحفاظ على دور الأمم المتحدة في فضّ النزاعات وخفض التوتر ومساندة لبنان، كما يحاول الصمود في مواجهة سياسة الإضعاف والتقييد التي تنتهجها الإدارة الأميركية الحالية تجاه مؤسسات الأمم المتحدة ومكاتبها المختلفة، تمهيداً لتقليص دور المنظمة الدولية بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة».
وفيما بدأت الأطراف الخارجية تتحرّك، يخيّم الجمود على الجانب اللبناني، إذ تبدو الدولة اللبنانية في موقع المتلقّي، من دون أي مبادرة جدّية تجاه الدول المؤثّرة والفاعلة في مجلس الأمن لتبنّي اقتراح غوتيريش أو بلورة موقف لبناني والعمل على تسويقه دولياً. ولا يزال الموقف الرسمي متمسّكاً ببقاء «اليونيفل»، رغم صعوبة تراجع مجلس الأمن عن قرار إنهاء مهمتها، في وقت يبدو فيه إصدار قرار بتشكيل قوة جديدة أكثر سهولة.
وعلمت «الأخبار» أن قائد «اليونيفل»، الجنرال الإيطالي ديوداتو أبانيارا، ناقش خلال لقاءاته مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ولجنة الشؤون الخارجية النيابية، الاقتراحات التي قدّمها غوتيريش، فيما لم يتمكّن من لقاء رئيس الحكومة نواف سلام بسبب وجوده خارج البلاد. وخلال هذه الاجتماعات، شجّع أبانيارا من التقاهم على تبنّي هذه الاقتراحات، بينما تلقّى من الجانب اللبناني وعوداً بالعمل على صياغة موقف رسمي موحّد وإبلاغ الأمم المتحدة به.
وبالتوازي، كشف النائب ملحم خلف عن عريضة وقّعها 80 نائباً تطالب مجلس الأمن بالإبقاء على قوات «اليونيفل». إلا أن هذه الخطوة تبدو متأخّرة بما لا يقلّ عن عام، إذ كان يمكن أن يكون لها وقع أكبر لو سبقت قرار إنهاء المهمة، أو لو أنها ذهبت اليوم في اتجاه دعم اقتراح غوتيريش، بدلاً من المطالبة بإحياء مهمة انتهت، شكلاً ومضموناً.



