طلاب “اللبنانية” بين الخوف على حياتهم أو خسارة العام الجامعي

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
تقترب الامتحانات النهائية في الجامعة اللبنانية وسط قلق واسع بين آلاف الطلاب الذين يعيشون بين النزوح وصعوبات التنقل والضغط النفسي الناتج عن الحرب. وفيما أنهت معظم الجامعات الخاصة امتحاناتها من دون نقاش حول التأجيل أو التعليم عن بُعد، يجد طلاب الجامعة اللبنانية أنفسهم أمام واقع مختلف تفرضه الظروف الأمنية غير المستقرة.
وفي ظل هذا الوضع، تتصاعد المطالب بتأجيل الامتحانات أو اعتماد بدائل تراعي أوضاع المتضررين، إذ تشير شهادات الطلاب من مختلف المناطق إلى أن غالبية الطلاب تؤيد التأجيل، فيما يفضّل الطلاب في جبل لبنان والشمال إجراء الامتحانات سريعاً، فيما يعتبر معظم الطلاب أن الظروف الحالية لا تتيح امتحانات عادلة أو متكافئة.
تأجيل الامتحانات نظراً للأوضاع
يخوض رامي خليل، ابن مدينة صور والطالب في العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية – فرع صيدا، معركةً من نوع آخر قبل الامتحانات النهائية. فالحرب التي دفعته إلى النزوح نحو الشمال لم تُعفه من عبء العودة إلى صيدا لتقديم امتحاناته، في رحلة تختلط فيها الهواجس الأمنية بمشقة التنقل والقدرة على التحضير.
يقول خليل لـِ “المدن”: “لست مستعداً للامتحانات، ولا أستطيع الدراسة أصلاً. كما أعاني صعوبات في المواصلات للوصول إلى صيدا من الشمال، وقد أضطر إلى الخروج فجراً للوصول إلى مركز الامتحان. كما أن صيدا معرّضة للاستهداف، وهذا يزيد من القلق”.
ولا يقتصر الأمر، بحسب خليل، على حالته الفردية، بل يشمل شريحة واسعة من الطلاب الذين تبدلت حياتهم مع الحرب.
ويضيف: “حتى الآن لا نعرف ما إذا كانت الامتحانات ستؤجّل أم لا، لكن هناك نسبة كبيرة من الطلاب من الجنوب والمخيمات والمناطق المتضررة من الحرب، لذلك نطالب بالتأجيل، أو على الأقل بأخذ هذه الظروف الاستثنائية بعين الاعتبار”.
نزوح جديد وطرق طويلة
تتنقل لارا جمال الدين بين هاجسين متوازيين: عدم خسارة عامها الجامعي من جهة، والقدرة على الوصول إلى قاعات الامتحان من جهة أخرى. فالطالبة في السنة الأولى في الفرع الأول، التي كانت تقيم في بيروت، اضطرت إلى العودة مع عائلتها إلى بعلبك بعد مغادرة الضاحية الجنوبية بفعل الحرب.
تقول لـِ “المدن”: “نحن مضطرون للتقدّم إلى الامتحانات لأننا لا نريد خسارة السنة الدراسية، لكن التنقل بين بعلبك وبيروت صعب جداً، خصوصاً مع التصعيد الأمني”.
ولا تخفي جمال الدين قلقها من واقع يعيشه آلاف الطلاب الذين تبدلت أماكن إقامتهم ومسارات حياتهم خلال الأشهر الماضية، معتبرة أن المطلوب اليوم هو اتخاذ إجراء يراعي أوضاعهم الاستثنائية، “سواء عبر تحويل الامتحانات إلى أونلاين أو تأجيلها لبعض الوقت”.
وتضيف: “قد أتمكن أنا من الحضور، لكن هناك كثيرين لا يستطيعون ذلك، وخصوصاً أبناء الجنوب الذين يواجهون ظروفاً أكثر صعوبة”.
جراح الحرب داخل القاعات
تتجاوز ديما زرقط، الطالبة في الفرع الأول في بيروت، مسألة الوصول إلى قاعة الامتحان نحو ما هو أعمق وأكثر ثقلاً: القدرة النفسية على خوضه في ظل الحرب. فالمشكلة، بالنسبة إليها، لا تختصر بالتنقّل أو التحضير الأكاديمي، بل تمتد إلى تجربة شخصية مثقلة بالخسارات.
تقول لـِ “المدن”: “لست مستعدة للامتحانات. في إحدى المرات كنت متوجهة إلى الجامعة لإنجاز معاملة، وفجأة استُشهدت خالتي. لسنا في وضع يسمح بإجراء امتحانات”. وتشدد على أن الحرب تركت أثراً نفسياً يتجاوز تفاصيل الحياة اليومية، بحيث باتت القدرة على التركيز والاستعداد شبه غائبة. وتضيف: “قد أتمكن جسدياً من الوصول إلى مركز الامتحان، لكنني لست جاهزة نفسياً”.
وتشير زرقط أيضاً إلى أن المسار التعليمي نفسه لم يكن مستقراً، إذ جرى الاعتماد بشكل واسع على التعليم عن بُعد، مع إعطاء أجزاء من الدروس عبر الإنترنت، فيما نُفذت تطبيقات عملية كثيرة خارج القاعات، ما جعل التقييم النهائي، برأيها، غير متوازن في ظل هذه الظروف.
يواجه يوسف سرحان، الطالب في كلية الزراعة في الدكوانة والآتي من الضاحية الجنوبية، واقع الامتحانات من زاوية مختلفة، حيث يتداخل الاستعداد الأكاديمي مع هواجس الأمن وإمكان الوصول إلى القاعة.
يقول إن الامتحانات التي كانت مقررة يوم الإثنين أُرجئت ليوم واحد فقط، مضيفاً: “من المؤكد أن تحضيراتنا ليست كتحضيرات الطلاب الذين درسوا بشكل طبيعي منذ بداية العام، خصوصاً أن المنهج لم يُخفّف أساساً”. ويحذر سرحان من أن استمرار التصعيد الأمني قد يحول دون تمكنه من التوجه إلى مركز الامتحان، مع ما يعنيه ذلك من خسارة الاستحقاق. ويقول: “إذا عاد التصعيد كما يبدو، فلن أتمكن من الحضور لأن ذلك سيشكّل خطراً كبيراً”.
سنة التخرج والخوف الدائم
تعيش علا نميرية، الطالبة في العلوم الاجتماعية في صيدا، عامها الأخير في الجامعة تحت ضغط مزدوج: رغبة في التخرّج من جهة، وخوف دائم تفرضه الظروف الأمنية من جهة أخرى.
تقول: “نفسياً لست جاهزة. لا أحد يعرف متى قد يقع أي استهداف”. وتشير إلى أن موقع الجامعة القريب من مجمع الزهراء الذي تعرض للقصف يزيد من حالة التوتر التي ترافق الطلاب بشكل يومي.
وتضيف: “أنا في سنة التخرج ولا أستطيع التغيب عن الامتحانات، لكنني متأكدة أنني كنت سأحقق نتائج أفضل لو كانت الظروف مختلفة”. ثم تتوقف عند سؤالها الأوسع: “من لديه القدرة على الدراسة في هذه الأجواء؟ في كل منزل تقريباً هناك شهيد أو جريح أو حالة خوف مستمرة”.
أين ندرس؟
أما هلا عيسى، النازحة من حومين إلى بيروت، فتواجه واقعاً يومياً يسبق الامتحانات نفسها، حيث تصبح ظروف العيش والتأقلم مع النزوح العائق الأول أمام الدراسة.
تقول: “لا أستطيع الدراسة. نحن 4 عائلات في المنزل نفسه، ولا توجد أي مساحة خاصة تساعد على التركيز”. وإلى جانب ضغط السكن، تواجه صعوبة إضافية تتعلق بالتنقل إلى صيدا حيث تتابع دراستها.
وتضيف: “لا أقود السيارة ولا أستطيع التنقل بمفردي، ووسائل النقل ستكون صعبة، ولا يوجد من يستطيع مرافقتي دائماً”. وبين حاجتها إلى علامات مرتفعة كونها في سنتها الأخيرة وبين ظروف النزوح، تبقى عالقة أمام سؤال لا تجد له جواباً: “أين أدرس؟ وكيف أركّز في هذه الظروف؟”.
الجامعة تراقب
في المقابل، تؤكد مصادر الجامعة اللبنانية لـِ “المدن” أن الإدارة تتابع التطورات بشكل يومي، وأن اجتماعات متواصلة تُعقد لمواكبة المستجدات واتخاذ القرارات المناسبة وفقاً للواقع الأمني.
وتضيف أن حقوق الطلاب النازحين أو الذين حالت ظروفهم دون الانتقال أو التحضير الجيد للامتحانات لن تُمسّ. كما يجري العمل على آليات تضمن حق هؤلاء في متابعة دراستهم واستكمال استحقاقاتهم الأكاديمية.
وتؤكد أن الطلاب الذين تتعذر عليهم المشاركة في هذه الدورة سيتمكنون من الاستفادة من دورتين امتحانيتين مع الحفاظ الكامل على حقوقهم الأكاديمية، بما يضمن عدم تحميلهم تبعات ظروف فرضتها الحرب عليهم.
لكن بالنسبة إلى آلاف الطلاب الذين يعيشون اليوم بين النزوح والخوف وعدم الاستقرار، لا تبدو المشكلة محصورة في موعد الامتحان فقط. فالمعضلة الأساسية تكمن في السؤال الذي يتكرر على ألسنتهم جميعاً: كيف يمكن الاستعداد لامتحان نهائي فيما الحرب ما زالت مستمرة خارج القاعات وداخلها؟
المدن – نغم ربيع



