ضيق تنفّس واختناق وأمراض سرطانية.. إسرائيل تُسمِّم الهواء

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/

يواجه لبنان خطر «الاختناق»، إذ إن الهواء الذي يغلّفه لم يعد صالحاً للتّنفُّس، في ظل حرب مستمرة منذ نحو ثلاث سنوات، تركت آثارها في السماء على هيئة سحب سوداء مُحمَّلة بمواد سامة تُحدِث أضراراً فورية ولاحقة.
الخطر الأكبر على جودة الهواء لا يأتي فقط من انفجارات الصواريخ والقذائف، بل أيضاً من آثار ما بعد القصف، إذ إن الأثر التدميري الحقيقي على الهواء يبدأ حينها. فعند استهداف مبنى، «يكون الحدث بعد القصف»، بحسب الرئيس التقني لمركز التحاليل والبحوث في كلية العلوم في الجامعة اليسوعية، الدكتور شربل عفيف، مشيراً إلى ما يتسبّب به القصف من حرائق تلتهم محتويات المفروشات وألواح الطاقة الشمسية والبلاستيك… وغيرها.

هذه الحرائق تنتج منها ملوّثات تتكوّن من مزيج من الغازات (كالنيتروجين والغازات العضوية) وجزيئيات دقيقة تظهر على شكل غبار أسود (شحتار). وخطورتها أنها لا تبقى في مكانها، بل تنتقل مع الهواء لمسافات قد تصل إلى 5 و10 و15 كيلومتراً. وهي عملياً شكل من أشكال «القتل البطيء»، إذ إن من لا تصيبه الصواريخ مباشرة يتكفّل به الهواء، خصوصاً الجزيئيات الدقيقة التي تنتشر فيه، ويسمح حجمها (نحو 2.5 ميكرومتر، أي أصغر بـ 25 إلى 30 مرة من شعرة الرأس)، بالتغلغل داخل الرئتين والاستقرار في جسم الإنسان.

هذه الجزيئيات تحمل موادَّ شديدة السمية، بينها مركّبات عضوية متعدّدة الحلقات ومعادن ثقيلة، تؤدّي إلى مشكلات صحية آنية وبعيدة المدى. على المدى القصير، تسبّب هذه الجزيئيات ضيق تنفّس واختناقاً، لكن الأخطر هو أن استمرار التعرض لها يرفع خطر الإصابة بالأمراض السرطانية، خصوصاً أن الجسم لا يتخلّص من معظم هذه الجزيئيات، بل يكدّسها.

في هذا السياق، يُميِّز الاختصاصي في أمراض الجهاز التنفّسي الدكتور ربيع أبو شامي بين الغارات وما ينتج منها من تكدّس للجزيئيات الدقيقة، الصغيرة والكبيرة، التي تنتشر في الهواء وتؤدّي إلى تهيّج الجهاز التنفسي والعينين والجلد، وتدمير وتفجير مواد البناء الذي ينتج منه انبعاث أنواع كثيرة من الغبار التي تؤدّي إلى تغبّر الجهاز التنفسي، وأمراض كالتي يتعرّض لها عمال قطاع البناء والصناعيون.

وكلّما طال أمد الحرب، «زاد الأذى والخطورة سواء المباشرة على الصحة أو غير المباشرة من خلال استخدام المواد المحرّمة دولياً والتي تتسرّب إلى التربة والمياه الجوفية والتي سيظهر آثار ذلك بعد سنوات». ويضيف أبو شامي أيضاً التعرّض المباشر للضغط القوي الذي يؤدّي حكماً إلى «تلف في الحويصلات التنفسية»، وما تتسبّب به الحرائق الناتجة من الغارات للقريبين منها، «من الحروق بالجهاز التنفسي أو التشوّه في القصبات الهوائية بسبب تنشّق الهواء ذي الحرارة المرتفعة».

كل هذه العوامل تظهر جلياً في عيادات اختصاصيّي أمراض الجهاز التنفّسي، إذ يشير أبو شامي إلى زيادة ملحوظة في أعداد المراجعين الجدد والأعراض لدى المرضى المزمنين، خصوصاً لدى الأطفال، مشيراً إلى أن معظم المراجعين «هم من الأماكن المُستهدفة». ومع أنه لا دراسات دقيقة تحدّد السبب الرئيسي لارتفاع أعداد المراجعات، إلّا أن السببين الأقرب إلى المنطق العلمي هما «الحرب وما تتسبّب به من ضرر في الهواء من جهة، ومن جهة أخرى التغيّر الديمغرافي بفعل النزوح».

تجدر الإشارة إلى أن هواء لبنان ملوّث أساساً. وقد قدّر تقرير لـ«غرينبيس» (2020) الوفيات المبكرة في لبنان نتيجة تلوّث الهواء بنحو 2700 حالة في عام 2018، أي ما يعادل 4 وفيات لكل 10 آلاف شخص (من أعلى المعدّلات في المنطقة، إلى جانب مصر).
ومنذ ذلك الوقت، ومع استمرار التدهور، ولا سيما بسبب الحرب، يُرجَّح أن الأرقام ازدادت أكثر. والأسوأ أن أحداً لا يعرف بدقّة مستوى هذا التلوّث اليوم، بسبب تعطّل محطات قياس جودة الهواء التابعة لوزارة البيئة والجامعات!

راجانا حمية – الأخبار 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!