هل تعود إسرائيل إلى “الشريط الأمني” قبل العام 2000؟

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/

شكّلت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين نقطة تحوّل استراتيجية تتجاوز العناوين التجارية المعلنة. مصادر دبلوماسية غربية أكدت أن واشنطن وبكين توصلتا إلى تفاهمات مهمة تشمل ملف تايوان مقابل حزمة اتفاقات تجارية ضخمة، لكن الثمن السياسي لهذه الصفقة بدأ يظهر سريعاً في الشرق الأوسط، وتحديداً في الملف الإيراني وامتداداته اللبنانية.

بحسب ما تسرّب من أجواء المحادثات في بكين، وافقت إدارة ترامب على صيغة جديدة للتعامل مع تايوان تمنح الصين هامش مناورة سياسياً واقتصادياً أوسع، مقابل تسهيلات تجارية واستثمارية أميركية تقلّص العجز وتعيد فتح أسواق صينية مغلقة منذ سنوات. الأهم أن التفاهم لم يبقَ اقتصادياً. مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن بكين أبدت “تفهماً” لمقاربة واشنطن المتشددة تجاه إيران، في ما يشبه غطاءً سياسياً صينياً، التحقت به موسكو لاحقاً لاعتبارات تتعلق بملفات أوكرانيا والطاقة.

هذا الغطاء الروسي الصيني، ولو غير معلن، منح إدارة ترامب هامش حركة كان مفقوداً في ولايته الأولى. الحديث لم يعد يدور حول “ضربات محدودة” لردع البرنامج النووي الإيراني، بل عن توجه أميركي جديد يميل بوضوح نحو استئناف الضربات وتوسيعها بشكل كبير لتشمل البنية العسكرية للحرس الثوري، منشآت الصواريخ، وخطوط الإمداد لحلفاء طهران في المنطقة.

انعكاسات هذا التحول بدت الأسرع في لبنان. فالمسار العسكري يتقدّم يومياً على أي مسار تفاوضي، وسط قناعة إسرائيلية بأن اللحظة الدولية مؤاتية لفرض وقائع جديدة. وأعربت مصادر وزارية عبر طليبانون فايلز” عن خشيتها من أن تعمل تل أبيب على تكريس معادلة ميدانية تعيد خارطة لبنان إلى ما قبل عام 2000، أي إلى زمن “الشريط الحدودي” والحزام الأمني، لكن بنسخة محدّثة.

المطلعون على الوضع الميداني يتحدثون عن توجه إسرائيلي للتمدد شمال نهر الليطاني. الهدف ليس احتلالاً دائماً بقدر ما هو خلق “ورقة تفاوضية” ضاغطة في أي محادثات مقبلة مع الدولة اللبنانية. في المقابل، يجري التعامل مع منطقة جنوب الليطاني كمنطقة عمليات مفتوحة يجري “تنظيفها” بالنار تمهيداً لضمّها عملياً عبر نقاط عسكرية ثابتة، بعدما قامت القوات الإسرائيلية بتجريف قرى حدودية بأكملها خلال الجولة الأولى من الحرب.

الدولة اللبنانية استشعرت هذا الخطر مبكراً. رسائل رسمية وُجّهت إلى حزب الله خلال الأشهر الماضية للشروع في حلّ جدي لملف السلاح، على قاعدة أن النقاش حول انسحاب إسرائيل من “النقاط الخمس” أو “التلال” بات من الماضي. تل أبيب اليوم لا تتحدث عن نقاط، بل تدرس هندسة شريط أمني جديد قادر على مواجهة تهديد مسيّرات الحزب وصواريخه الدقيقة، ويمنحها عمقاً عملياتياً يمنع تكرار 7 أكتوبر من الجبهة الشمالية.

عودة ترامب إلى سياسة “الضغط الأقصى” بنسخة عسكرية هذه المرة تستند إلى تبدّل في البيئة الدولية. الصفقة مع الصين حرّرت واشنطن من كابوس المواجهة على جبهتين، وأعطت موسكو ما تريده في ملفاتها الأوروبية مقابل غضّ الطرف عن التصعيد ضد إيران. طهران التي كانت

تراهن على الفيتو الصيني الروسي في مجلس الأمن، تجد نفسها اليوم أمام تفاهم ضمني يترك لها هامشاً ضيقاً للمناورة.

بالنسبة للبنان، هذا المثلث يعني أمراً واحداً: تراجع أولوية الحلول الدبلوماسية. فكلما اتسعت الضربات الأميركية على إيران، زادت حاجة إسرائيل إلى استباق ردّ حزب الله عبر توسيع العملية البرية وتثبيت معادلات جديدة. الورقة التفاوضية الإسرائيلية لم تعد الانسحاب مقابل نزع السلاح، بل التمدد مقابل اتفاق أمني بشروط تل أبيب.

زيارة ترامب إلى الصين لم تكن اقتصادية فقط. لقد أسست لتفاهمات كبرى تعيد ترتيب الأولويات الأميركية: تهدئة مع بكين، شراكة مصلحية مع موسكو، وتصعيد محسوب مع طهران. لبنان يدفع الفاتورة الأولى لهذا التحول، حيث يتراجع منطق الدولة والتفاوض أمام منطق الميدان والنقاط العسكرية.

الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كان بإمكان بيروت استباق العاصفة عبر مقاربة داخلية جريئة لملف السلاح، أم أن البلاد ذاهبة فعلاً إلى معادلة أمنية جديدة تُفرض من شمال الليطاني، وتعيد عقارب الساعة عقدين إلى الوراء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!